تركيا وإيران.. تاريخ طويل من التنافس واحتمالات عودة التوتر
حذّر الكاتب الصحفي التركي كمال أوزتورك من احتمال تصاعد التوتر بين إيران وتركيا، مشيراً إلى أن “أشباح الماضي” قد تعود لتؤثر في موازين الحاضر إذا لم تُدار التطورات الإقليمية بحذر.
ويستند أوزتورك في تحليله إلى مقولة متداولة في تقاليد الدبلوماسية التركية مفادها أن “صراع توران وإيران لا ينتهي”، في إشارة إلى تاريخ طويل من التنافس بين القوتين الإقليميتين اللتين خاضتا صراعات متكررة عبر القرون، كان أبرزها معركة جالديران عام 1514.
إرث تاريخي يرسم ملامح الحاضر
اندلعت تلك المعركة بين الشاه إسماعيل والسلطان العثماني سليم الأول، وشكّلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ المنطقة، إذ أعادت رسم موازين القوى وأثرت في البنية السياسية والاجتماعية للمجتمعات المحيطة.
ورغم ضراوة الصراع في تلك المرحلة، فإن الدولتين توصلتا لاحقاً إلى معاهدة قصر شيرين عام 1639، التي ثبّتت الحدود بينهما. ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى ما يقرب من أربعة قرون، بقيت هذه الحدود مستقرة إلى حد بعيد، فيما حرص الطرفان على تجنب أي مواجهة مباشرة قد تغيّر هذا التوازن.
صراع نفوذ بلا مواجهة مباشرة
وعلى الرغم من هذا الاستقرار الحدودي، ظل التنافس بين أنقرة وطهران قائماً، لكنه اتخذ شكل صراع نفوذ غير مباشر في عدد من ساحات المنطقة. فقد برزت المنافسة بينهما في دول مثل سوريا والعراق وفلسطين وأذربيجان وأرمينيا، إضافة إلى باكستان وتركمانستان في فترات مختلفة.
وقد بلغت العلاقات بين البلدين مرحلة حساسة خلال سنوات الحرب السورية، خاصة مع تدخل إيران عبر حزب الله وفصائل شيعية مسلحة دعماً للنظام السوري، الأمر الذي دفع العلاقات التركية-الإيرانية إلى حافة القطيعة.
كما أدت تداعيات الحرب إلى موجات نزوح واسعة في المنطقة، ما زاد الضغوط على تركيا وأثر في المزاج العام داخلها، حيث تراجعت مستويات التعاطف الشعبي مع إيران وحلفائها بشكل ملحوظ.
توتر إعلامي وتنافس جيوسياسي
ومع التطورات الأخيرة في سوريا وانسحاب إيران منها، برزت حالة من التوتر الإعلامي بين الطرفين، إذ انتقدت وسائل إعلام إيرانية ومستخدمون على شبكات التواصل ما اعتبروه تفوقاً جيوسياسياً لتركيا في المنطقة.
ويرى أوزتورك أن هذه التطورات تعكس فجوة متزايدة في الثقة بين البلدين، مشيراً إلى حادثتين بارزتين ساهمتا في ذلك. الأولى تعود إلى عام 2010 حين دعمت تركيا والبرازيل البرنامج النووي الإيراني السلمي، وشارك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في مبادرة لإجراء المفاوضات النووية في إسطنبول، إلا أن إيران نقلتها لاحقاً إلى جنيف، وهو ما أثار استياء أنقرة.
أما الواقعة الثانية فكانت خلال الحرب السورية، حين اتهمت تركيا أطرافاً مرتبطة بإيران بمحاولة إثارة اضطرابات داخلية وتغذية الانقسامات المذهبية، وهو ما أدى إلى اعتقال عشرات المتهمين بالتجسس والتخطيط لعمليات أمنية.
موقف أنقرة من التصعيد العسكري
ومع تصاعد التوترات الإقليمية والهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تتعامل تركيا مع الوضع بحذر شديد، حيث رفعت وزارة الخارجية مستوى التأهب لمتابعة التطورات وإجلاء المواطنين إذا لزم الأمر، بينما تجري وزارتا الداخلية والدفاع اجتماعات مستمرة تحسباً لأي موجة نزوح محتملة من إيران.
وقد عبّر الرئيس أردوغان عن موقف تركيا من الأزمة عبر ثلاثة محاور رئيسية:
- اعتبار الهجوم على إيران غير قانوني وجاء بتحريض إسرائيلي.
- التأكيد على التضامن مع الشعب الإيراني وتقديم التعازي للضحايا.
- رفض أي هجمات إيرانية على الدول العربية، باعتبارها دولاً شقيقة.
وتتمثل السياسة التركية، وفق أوزتورك، في منع اتساع دائرة الفوضى في المنطقة وعدم السماح بانتقال بؤر التوتر إلى ساحات جديدة.
حسابات الحرب واحتمالات المواجهة
وتسعى إيران، وفق التحليل، إلى الضغط على الولايات المتحدة عبر استهداف وجودها العسكري في الخليج، في محاولة لرفع كلفة الحرب ودفع واشنطن إلى وقفها. غير أن هذه الإستراتيجية قد تحمل مخاطر بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، يلفت الكاتب إلى أن إيران لم تستهدف تركيا حتى الآن، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها:
- عدم وجود قواعد أمريكية في تركيا، بل قواعد تابعة لـحلف شمال الأطلسي تحت إدارة تركية.
- أن أي هجوم على الأراضي التركية قد يؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف، ما يعني دخول دول الناتو إلى جانب أنقرة.
- إدراك إيران لتكلفة الدخول في مواجهة مباشرة مع تركيا.
أنقرة تفضل إنهاء الحرب
ورغم أن البعض قد يرى أن انشغال إيران بالحرب واستنزافها قد يصب في مصلحة تركيا، فإن أنقرة لا تتبنى هذا المنطق. فعدم الاستقرار في دولة مجاورة بحجم إيران ينعكس بشكل مباشر على تركيا وعلى المنطقة بأكملها.
ويؤكد أوزتورك أن الموقع الجيوسياسي لإيران وتشابكاتها المذهبية والأيديولوجية يجعل أي اضطراب فيها عاملاً مؤثراً في استقرار الشرق الأوسط بأسره.
لذلك، يرى أن الجهود الدولية والإقليمية يجب أن تتجه نحو إنهاء الحرب سريعاً قبل أن تتوسع دائرة الصراع وتعيد إشعال تنافس تاريخي قد يحمل عواقب خطيرة على المنطقة.