فلسطين

آثار التلوث ستمتد لعقود بغزة بعد 3 سنوات من الإبادة

آخر بوست | حذر مختص في الشؤون البيئية من أن قطاع غزة يواجه، بعد ثلاثة أعوام من الحرب الإسرائيلية، مخاطر تلوث قد تمتد آثارها لعقود، نتيجة تراكم النفايات وتدمير شبكات المياه والصرف الصحي، فضلا عن احتمال احتواء ملايين الأطنان من الركام على مواد مشعة ومعادن ثقيلة وبقايا متفجرات.

وقال الخبير في شؤون البيئة سعيد العكلوك، في مقابلة مع وكالة الأناضول، إن آثار الحرب على البيئة في القطاع، ولا سيما المياه والتربة، لم تجد حتى اليوم “حلولا جذرية”، مشيرا إلى أن معظم الإجراءات المتخذة تقتصر على معالجة مؤقتة لا تزيل مصادر التلوث.

ووصف العكلوك البيئة في غزة بأنها “ضحية صامتة”، محذرا من أن عدم معالجة مصادر التلوث حاليا قد يجعل تداعياتها الصحية أكثر تعقيدا في المستقبل.

ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا تزال مصادر التلوث قائمة، وسط استمرار الهجمات الإسرائيلية وتعثر معالجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في القطاع.

تلوث قد يستمر لعقود

وأوضح العكلوك أن الأضرار البيئية تختلف عن الإصابات المباشرة التي تظهر نتائجها خلال فترة قصيرة، إذ إن آثار تلوث المياه والتربة والهواء قد تظهر تدريجيا وتمتد لسنوات طويلة.

وأضاف أن الركام، الذي يقدر بما بين 60 و65 مليون طن في القطاع، “قد يحتوي على بقايا متفجرات ومواد مشعة ومعادن ثقيلة”، ما يجعل آثاره الصحية والبيئية مختلفة عن الأضرار المباشرة.

وأشار إلى أن بعض هذه الملوثات قد تنتقل إلى التربة والمياه والهواء، بما يهدد الصحة العامة على مدى عقود.

ولفت إلى أن احتمال وجود مواد مشعة وبقايا متفجرات ومعادن ثقيلة وملوثات بيولوجية في الركام يستدعي إجراء فحوص متخصصة لتحديد طبيعة الملوثات ومستوياتها، قبل البدء بعمليات إزالة الركام أو تدويره أو التخلص منه.

تدمير واسع لشبكات المياه والصرف الصحي

وفي ملف المياه والصرف الصحي، قال العكلوك إن أكثر من 80 بالمئة من البنية التحتية للمياه في قطاع غزة دمرت، محذرا من تزايد مخاطر تلوث الخزان الجوفي.

وأشار إلى وجود أكثر من 320 ألف حفرة امتصاصية في القطاع، موضحا أن التخلص من مياه الصرف الصحي من خلالها، ولا سيما في المناطق القريبة من الساحل، يؤدي إلى وصول المياه العادمة إلى الخزان الجوفي.

والحفر الامتصاصية هي حفر في الأرض يحفرها السكان للتخلص من المياه العادمة في المناطق التي تفتقر إلى شبكات الصرف الصحي.

وأضاف أن المشكلة تتفاقم مع تدمير أجزاء واسعة من شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة والضخ، ما دفع كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي إلى الشوارع والمناطق المفتوحة، بينما يجري تصريف جزء منها إلى البحر أو باطن الأرض.

700 كيلومتر من شبكات الصرف الصحي مدمرة

وأوضح العكلوك أن نحو 700 كيلومتر من شبكات الصرف الصحي دمرت، إلى جانب تدمير محطات معالجة ومحطات ضخ، ما أدى إلى انتشار المياه العادمة في الشوارع والمناطق السكنية.

وقال إن نحو 50 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي الخام تضخ يوميا إلى البحر، فيما يجري، وفق تقديره، ضخ نحو 15 ألف متر مكعب أخرى في باطن الأرض.

وحذر من أن مياه الصرف الصحي الخام تحتوي على مستويات مرتفعة من الملوثات العضوية والميكروبية، ما قد ينعكس سلبا على البيئة البحرية والثروة السمكية، فضلا عن تأثيره على الصحة العامة.

وأضاف أن استمرار تصريف هذه المياه قد يؤدي كذلك إلى تغيرات في البيئة الميكروبية، بما في ذلك زيادة احتمالات ظهور كائنات دقيقة أكثر مقاومة للعلاجات المضادة للميكروبات.

مخاطر فيضان بركة الشيخ رضوان

وفي السياق، حذر العكلوك من مخاطر تزايد كميات المياه العادمة في بركة الشيخ رضوان بمدينة غزة، التي كانت مخصصة لتجميع مياه الأمطار قبل الحرب.

وقال إن البركة أصبحت خلال الحرب تستقبل مياه الصرف الصحي، ما أدى إلى تراكم كميات كبيرة منها.

وأضاف أن الخطر لا يقتصر على التلوث، بل يمتد إلى احتمال فيضان البركة مع هطول الأمطار الغزيرة، في ظل إقامة أعداد كبيرة من الفلسطينيين في خيام ومساكن مؤقتة لا توفر حماية كافية من مياه الأمطار والبرد.

وحذرت الأمم المتحدة، في بيانات سابقة، من اقتراب موسم الأمطار، مع وجود ملايين الفلسطينيين في مواقع نزوح مكتظة ومعرضة للفيضانات وتفشي الأمراض، في ظل صعوبة تنفيذ أعمال الاستعداد للشتاء بسبب نقص التمويل والقيود على الوصول.

وأشار تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” في يوليو/تموز الماضي، إلى أن نحو 60 بالمئة من سكان القطاع لا يزالون معرضين لمياه الصرف أو الفضلات البشرية على مسافة تقل عن 10 أمتار من أماكن إقامتهم، وأن أكثر من 900 ألف شخص معرضون للنفايات المتراكمة في المناطق السكنية.

وتشير بيانات الأمم المتحدة أيضا إلى أن منظومة المياه والصرف الصحي تعرضت لأضرار واسعة، فيما أدت محدودية مرافق الصرف والنفايات إلى انتشار القوارض والحشرات وارتفاع المخاطر الصحية والبيئية.

النفايات الصلبة تضيف مخاطر جديدة

وفي ملف النفايات الصلبة، قال العكلوك إن قطاع غزة ينتج ما بين 1100 و1300 طن من النفايات يوميا، وإن جزءا كبيرا منها يجري تجميعه في مواقع مؤقتة وغير مهيأة، ما يفاقم المخاطر البيئية والصحية.

وأوضح أن النفايات تنتج سوائل تعرف باسم “الراشح” أو “الليتشيت”، وقد تحتوي على مواد ملوثة قادرة على التسرب إلى التربة والمياه الجوفية.

وأضاف أن استمرار تجميع النفايات في مواقع غير مجهزة، في ظل محدودية الإمكانات، يضيف مشكلة بيئية جديدة إلى قائمة الأضرار التي خلفتها الحرب.

دعوة إلى تقييم دولي شامل

ودعا المختص إلى تدخل دولي متخصص لإجراء تقييم شامل للوضع البيئي في قطاع غزة، يشمل إدخال معدات قادرة على تحديد مستويات التلوث وطبيعته.

وطالب بتوفير مختبرات متخصصة وخبراء في مجالات التلوث البيولوجي والكيميائي والإشعاعي، إلى جانب توفير التمويل اللازم لإجراء الدراسات ووضع خطط المعالجة.

وشدد على أن إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تقتصر على إعادة بناء المباني والبنية التحتية، وإنما يجب أن تشمل معالجة آثار التلوث البيئي وتقييم مخاطر الركام والمياه العادمة والنفايات.

وبعد نحو عام من وقف إطلاق النار، يرى العكلوك أن التحدي البيئي في غزة لم ينته بانحسار العمليات العسكرية واسعة النطاق، بل دخل مرحلة جديدة قد تكون تداعياتها أقل ظهورا وأكثر امتدادا، ما لم تبدأ معالجة علمية وشاملة للدمار البيئي الذي خلفته سنوات الحرب.

أوضاع إنسانية وبيئية كارثية

وتحاصر إسرائيل قطاع غزة منذ عام 2007، وبات نحو 2.15 مليون فلسطيني من أصل نحو 2.4 مليون في القطاع بلا مأوى في أوضاع كارثية، بعد أن دمرت الحرب مساكنهم، بينهم أكثر من 800 ألف يقيمون في خيام غير صالحة لـ”الحياة الآدمية”.

ومنذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ترتكب إسرائيل بدعم أمريكي حربا في غزة، خلفت أكثر من 74 ألف قتيل وما يزيد على 175 ألف جريح فلسطيني، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية.

وتمنع إسرائيل إدخال كميات كافية من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء اللازمة للفلسطينيين المحاصرين.

وحّد التسلسل الزمني في المقالخفّف التكرار بين فقرات التلوثأضف تنبيهًا عن طبيعة الأرقام
زر الذهاب إلى الأعلى