بين البيوت الملونة والكنائس القديمة… حكايات حيّين منسيين في إسطنبول
على الضفة الجنوبية للقرن الذهبي، في قلب مدينة إسطنبول، تمتد حيا بلاط وفنر كصفحتين مفتوحتين من تاريخ المدينة الغني والمتعدد الثقافات. التجول في شوارعهما المرصوفة بالحصى يمنح الزائر تجربة مختلفة تمامًا عن الصورة السياحية التقليدية لإسطنبول، إذ يشعر وكأنه يعود قرنًا أو أكثر إلى الوراء، حيث تتجاور البيوت التاريخية والمعابد والكنائس في مشهد يعكس التنوع الديني والثقافي الذي عايشته المدينة على مر العصور.
خلال العهد العثماني، كان حي بلاط مركزًا تجاريًا مزدهرًا، عُرف بمتاجره وورشاته التي أدارها في الغالب يهود عثمانيون. احتضنت المنطقة حرفيين وتجارًا في مجالات متنوعة، من صانعي الزجاج إلى تجار التحف وصانعي الطرابيش، ما جعلها واحدة من أكثر المناطق حيوية اقتصاديًا في تلك الفترة.
ولا تزال آثار هذا التاريخ واضحة اليوم، إذ يضم الحي عددًا من المعابد اليهودية التاريخية مثل كنيس أهريدت وكنيس يانبول، اللذين يعدان من أقدم دور العبادة اليهودية في المدينة. كما تنتشر في الحي كنائس ومعالم دينية أخرى تعكس التعدد الثقافي الذي جمع اليهود والمسيحيين الأرمن واليونانيين الأرثوذكس وغيرهم في هذا الجزء من إسطنبول.
الطابع المعماري الفريد هو ما يمنح فنر وبلاط سحرهما الحقيقي. ففي حين تغيرت أنماط البناء في المدينة منذ القرن التاسع عشر مع انتشار العمارة الحديثة، حافظت هاتان المنطقتان على نمط المنازل التقليدية ذات الطابقين المبنية من الخشب أو الحجر.
وتتميز هذه المنازل بشرفاتها البارزة المعروفة باسم “كومبا”، وهي شرفات مغلقة كانت تسمح للسكان بمراقبة الشارع أثناء احتساء الشاي أو القهوة التركية. تنتشر المنازل الملونة في الأزقة الضيقة، مشكلة لوحات معمارية جذابة أصبحت اليوم من أبرز المواقع التي يقصدها المصورون والسياح لالتقاط الصور، خصوصًا عند المنحدرات المزينة بسلالم تحيط بها البيوت متعددة الألوان.
أما حي فنر، المجاور لبلاط على ضفاف القرن الذهبي، فيحمل تاريخًا عريقًا يمتد من العهد البيزنطي إلى العثماني. أصبح الحي مركزًا للجالية اليونانية الأرثوذكسية في المدينة، وموطن البطريركية المسكونية للقسطنطينية، إحدى أهم المؤسسات الدينية في العالم الأرثوذكسي. كما يضم الحي معالم بارزة مثل كنيسة القديس جورج، إلى جانب مبانٍ تاريخية تعكس العمارة البيزنطية والعثمانية التي تعاقبت على المدينة.
ومن أبرز معالم حي فنر المدرسة اليونانية الحمراء، مبنى ضخم من الطوب الأحمر يعود للقرن التاسع عشر، يشتهر بقبابه وأبراجه المهيبة، ويعرف أيضًا باسم “المدرسة الحمراء”. كثير من الزوار يظنون للوهلة الأولى أنه كنيسة أو قصر تاريخي، وأصبح هذا المبنى أحد أبرز الرموز المعمارية للمنطقة، ويشبهه البعض بمبانٍ خيالية وكأنها من صفحات روايات المغامرات.
اليوم، تحولت شوارع فنر وبلاط إلى وجهة سياحية وثقافية نابضة بالحياة، حيث تنتشر المقاهي الصغيرة والمطاعم المحلية التي تستقبل الزوار بعد جولاتهم في الأزقة التاريخية. المنطقة الواقعة بين شارعي يلدريم وفودينا بالقرب من ساحل القرن الذهبي تعتبر من أكثر الأجزاء حيوية، إذ تتجاور المقاهي الملونة والمتاجر الصغيرة التي تعكس روح المكان، بينما يمتد على طول الواجهة البحرية مسار للمشي وركوب الدراجات يوفر للزائر فرصة الاستمتاع بإطلالة هادئة على مياه القرن الذهبي.
زيارة فنر وبلاط ليست مجرد جولة سياحية، بل رحلة في تاريخ إسطنبول الاجتماعي والثقافي. ففي هذه الشوارع الضيقة والمنازل الملونة تختلط قصص التجار والحرفيين ورجال الدين والمثقفين الذين عاشوا هنا على مر القرون. وبين المعابد اليهودية والكنائس الأرثوذكسية والمباني العثمانية القديمة، يمكن للزائر أن يلمس روح مدينة كانت دائمًا ملتقى للحضارات والأديان والثقافات المختلفة، مما يجعل هذين الحيين من أكثر مناطق إسطنبول أصالة وسحرًا.