تركيا بين الجغرافيا والسياسة: تأثيرات الحرب المتوقعة ضد إيران
أعترف أن كتابة هذا المقال لم تكن سهلة. كنت أتمنى أن يطرأ في اللحظة الأخيرة ما يجعل هذه السطور بلا معنى، وأن تتبدد المخاوف قبل أن تتحول إلى واقع. غير أن المؤشرات المتراكمة توحي بأن السؤال لم يعد: هل ستندلع الحرب أم لا؟ بل: متى ستندلع، وما حجم تداعياتها؟ هذا ما تعكسه الأجواء السائدة، لا سيما بعد خطاب الرئيس دونالد ترامب في الكونغرس، الذي بدد حتى الآمال الضعيفة بإمكانية التراجع، وأوحى بأن النقاش داخل الولايات المتحدة بات يدور حول مدى اكتمال الاستعدادات لقرار يبدو أنه اتُّخذ سلفًا.
المحاكاة الأولى: سقوط سريع لإيران
يفترض السيناريو الأول أن تُقدم الولايات المتحدة وإسرائيل على قصف مكثف لإيران يفوق كل التوقعات، يؤدي خلال فترة قصيرة إلى إنهاكها وربما إسقاط نظامها. وقد يتزامن ذلك مع تحركات داخلية واسعة يجري التحضير لها، بحيث يبدو المشهد وكأن النظام ينهار قبل أن يتمكن من ردّ فعّال. بل إن البعض يتخيل أن شبكة نفوذ إيران الإقليمي في اليمن ولبنان والعراق قد تُستهدف في الوقت ذاته، بما يفضي إلى ما يشبه “نصرًا كاملًا” وإقامة نظام جديد في طهران موالٍ لواشنطن وتل أبيب، وربما إعادة شخصيات من العهد الملكي السابق إلى الواجهة.
بالنسبة لتركيا، يحمل هذا الاحتمال تداعيات ثقيلة. فغياب إيران من المعادلة يعني — من زاوية أنقرة — اختلالًا في التوازن الإقليمي قد يترجم إلى طوق جيوسياسي من الشرق. وهنا يبرز عامل جنوب القوقاز، حيث عززت إسرائيل حضورها في أذربيجان مستفيدة من توترات حرب ناغورنو كاراباخ، كما اقتربت الهند من أرمينيا في سياق حسابات إقليمية مع باكستان. وإذا تكرّس هذا الحضور في ظل غياب إيران، فقد يتشكل قوس جغرافي يضغط على تركيا من الشرق، بالتوازي مع محاور قائمة في شرق المتوسط تضم اليونان و**قبرص** وإسرائيل.
يرى بعضهم أن التقارب التركي–الأميركي قد يخفف من هذه المخاطر. غير أن قراءة أخرى تفترض أن واشنطن تميل، في حساباتها الاستراتيجية الأوسع، إلى دعم تحالفات بعينها ولو بشكل غير مباشر. كما أن انسحاب الولايات المتحدة من سوريا لا يعني — بالضرورة — ترك الملف لمحور أنقرة–دمشق، بل قد يكون قد وضع تركيا وإسرائيل في مواجهة غير مباشرة هناك. وإذا انهارت إيران أيضًا، فقد تتعزز هذه المواجهة شرقًا. في هذا السياق، قد تصبح الولايات المتحدة هي العامل الوحيد القادر على ضبط التوتر ومنع تحوله إلى صدام مفتوح، لكن تجارب سابقة تثير تساؤلات حول مدى الثبات في مثل هذه الضمانات.
المحاكاة الثانية: حرب طويلة وإقليمية
أما السيناريو الثاني، فيفترض أن إيران تصمد في الضربة الأولى، وتنجح — رغم الخسائر — في امتصاص الهجوم والرد عليه. في هذه الحالة، قد تتحول المواجهة إلى حرب ممتدة ذات طابع إقليمي. فقد أعلنت طهران مرارًا أنها تنظر إلى أي حرب مقبلة باعتبارها شاملة، وأن أهدافها ستشمل إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة.
قد تبدي إيران في البداية حذرًا في اختيار أهدافها، لكن مع إطالة أمد الحرب وارتفاع مستوى الضربات، قد تتسع دائرة الاستهداف. وإذا انجرت دول أخرى — سواء بشكل مباشر أو غير مباشر — إلى دائرة النار، فقد يتخذ الصراع طابعًا مذهبيًا أو محوريًا، بما يحوله إلى مواجهة واسعة لا يمكن التنبؤ بحدودها أو آثارها.
“سيناريوهات الرافعة” والتحركات الداخلية
إلى جانب هذين الاحتمالين العسكريين، يبرز ما يمكن تسميته بـ“سيناريوهات الرافعة”؛ أي تفعيل أدوات الضغط الداخلية. فمن المرجح أن تتحرك أجهزة الاستخبارات لدعم احتجاجات أو توترات داخل إيران بهدف إرباكها وإضعاف جبهتها الداخلية. وقد لا يكون الهدف إسقاط النظام مباشرة، بل توسيع نطاق الضغط وإشغاله في أكثر من جبهة.
في هذا السياق، قد تُستعاد أوراق قومية أو إثنية حساسة، وهو ما يثير مخاوف من انتقال التوتر إلى مناطق مجاورة أو مجتمعات مترابطة عبر الحدود. وهنا يكمن قلق أعمق، لأن اتساع رقعة عدم الاستقرار قد يخلق بيئة إقليمية شديدة الهشاشة.
ما وراء الحرب: التداعيات الأوسع
بطبيعة الحال، هناك تداعيات مباشرة يمكن توقعها، مثل موجات هجرة محتملة، وارتفاع أسعار النفط، واضطراب إمدادات الغاز الطبيعي. غير أن المخاطر التي تهم أنقرة — من زاوية استراتيجية — تتعلق بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بصورة قد تغيّر موقع تركيا في المعادلة.
في النهاية، قد تكون هذه القراءة مفرطة في التشاؤم. وربما تحمل الأيام تطورات إيجابية تجعل هذه المخاوف بلا أساس. عندها، لن يكون أسعد مني من يقرأ هذه السطور بوصفها مجرد تقدير لم يتحقق. لكن في اللحظة الراهنة، تبدو المؤشرات أقرب إلى التصعيد منها إلى التهدئة، وهذا ما يجعل القلق مشروعًا — ولو على أمل أن يثبت الواقع عكسه.