حياتنا

كيف تطلق مشروعا ناجحا في رمضان؟

مع حلول الأيام الأولى من شهر رمضان، تتسارع وتيرة الاستهلاك في العديد من الاقتصادات العربية، وتظهر تحولات واضحة في أنماط الإنفاق، ما يدفع الكثير من رواد الأعمال إلى طرح تساؤل جوهري: هل يشكل الشهر الفضيل فرصة ذهبية لإطلاق مشروع جديد، أم أنه موسم يزدحم بالتحديات وارتفاع التكاليف؟

تشير المعطيات إلى أن رمضان لا يمثل مجرد فترة زيادة في الطلب، بل دورة اقتصادية قصيرة ومكثفة تعيد ترتيب أولويات الأسر، وتفرض ضغوطًا على سلاسل الإمداد، كما ترفع كلفة الوصول إلى المستهلك. ووفقًا لتقرير صادر عن شركة «إبسوس» لأبحاث السوق حول سلوك المستهلك في رمضان 2024 في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يخطط 6 من كل 10 مستهلكين لمشترياتهم مسبقًا خلال الشهر، بينما أكد 67% أنهم ينفقون أكثر رغم محاولاتهم ضبط الميزانية. كما أوضحت البيانات أن نحو 40% يؤجلون المشتريات الكبيرة إلى رمضان للاستفادة من العروض.

هذه المؤشرات ترسم أساسًا تحليليًا لفكرة إطلاق مشروع خلال رمضان: فالطلب حاضر، لكنه شديد الحساسية للأسعار ومحفَّز بالعروض، في ظل منافسة مرتفعة. ومن منظور اقتصادي أوسع، يُعد رمضان دورة إنفاق مكثفة يعاد فيها توجيه السيولة داخل الأسرة، حيث ترتفع مخصصات الغذاء والضيافة والهدايا، مقابل تراجع نسبي في بعض بنود الإنفاق الأخرى.

 

A muslim devotee walks past Ramadan ornaments in the street next to the Turkish Ulu Mosque during the evening prayers to mark the start of the Islamic holy fasting month of Ramadan in Utrecht on February 18, 2026. (Photo by Ramon van Flymen / ANP / AFP) / NETHERLANDS OUT
السوق الرمضانية بيئة تنافسية مكثفة تضغط على الهوامش (الفرنسية)

وأظهر تحليل صادر عن معهد ماستركارد للاقتصاد حول أنماط إنفاق رمضان في دول الخليج لعام 2024 ارتفاعًا ملحوظًا في الإنفاق على البقالة، مدفوعًا باستعداد الأسر المبكر للشهر، وهو ما يعكس تسارع الطلب الاستهلاكي المرتبط بالتحضير المنزلي.

كما كشفت بيانات شركة «تي جي إم ريسيرش» في السعودية أن 47% من المستهلكين خصصوا حصة كبيرة من ميزانياتهم للطعام والشراب خلال رمضان، بينما يخطط 44% لزيادة إنفاقهم الغذائي مقارنة ببقية فترات العام. وفي السياق ذاته، تشير تقارير صحفية عربية تناولت التضخم الغذائي في دول مثل مصر والمغرب والأردن إلى أن أسعار الغذاء تعد الأكثر تقلبًا ضمن سلة المستهلك، الأمر الذي يرفع حساسية السوق تجاه أي مشروع يعتمد على مدخلات غذائية أو عمليات لوجستية خلال الشهر.

وبذلك، لا يُنظر إلى رمضان بوصفه مجرد موسم مبيعات، بل نافذة اقتصادية سريعة الإيقاع، ترتفع فيها وتيرة الطلب وتضيق معها مساحة الخطأ أمام المشاريع الجديدة.

أين تكمن الفرص؟

تشير المؤشرات إلى أن بعض القطاعات تنسجم بطبيعتها مع خصوصية رمضان، ما يمنحها فرصة أكبر لتحقيق انتشار سريع في السوق:

1. الأغذية والحلويات والمطابخ
مع ارتفاع الإنفاق على الضيافة والوجبات، تبرز مشاريع إعداد الأطعمة، وصناديق الإفطار، والحلويات الموسمية كخيارات جذابة. إلا أن نجاحها يرتبط بقدرتها على تحقيق معادلة القيمة مقابل السعر، إذ لا يكفي الاعتماد على زيادة الطلب دون إدارة دقيقة للتكلفة.

2. التجارة القائمة على العروض
تُظهر البيانات أن شريحة واسعة من المستهلكين تنتظر عروض رمضان، ما يجعل الإطلاق المعتمد على عرض واضح ومحدد أكثر فعالية من تقديم مجموعة واسعة من المنتجات دون حافز شرائي قوي.

3. القنوات الرقمية وخدمات التوصيل
تشير تحليلات التسويق الرقمي إلى تغير سلوك التسوق خلال رمضان، حيث يرتفع التفاعل والاكتشاف عبر المنصات الرقمية. وهذا يفتح المجال أمام المشاريع التي تعتمد على الطلب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات التوصيل، شرط تبسيط تجربة الشراء وتقليل خطواتها قدر الإمكان.

SRINAGAR, INDIA - FEBRUARY 18: Kashmiri Muslim shopkeeper selling dates and nuts wait for customers ahead of Ramadan on February 18, 2026 in Srinagar, India. Ramadan is the ninth month of the Islamic calendar and is observed by Muslims worldwide as a period of fasting, reflection, and spiritual growth, typically lasting about 29 to 30 days. During Ramadan, Muslims fast from dawn to sunset, known as Sawm, and engage in increased acts of charity, prayer, and recitation of the Koran, culminating in the celebration of Eid al-Fitr at the end of the month. (Photo by Yawar Nazir/Getty Images)
الطلب الغذائي خلال رمضان محرك أساسي للمشاريع الصغيرة (غيتي)

لماذا تتعثر مشاريع كثيرة بعد العيد؟

على الرغم من الارتفاع الكبير في الطلب خلال رمضان، تبقى إدارة التدفق النقدي التحدي الأبرز أمام المشاريع الجديدة. فتكاليف المخزون والتغليف والإعلانات والعمالة الموسمية تُدفع غالبًا مقدمًا، في حين قد تتأخر الإيرادات، خصوصًا في ظل المنافسة السعرية الحادة. ويشير محللون في قطاع التجزئة إلى أن وتيرة الشراء في رمضان ترتفع عادة أسرع من نمو الهوامش الربحية، نتيجة كثافة العروض الترويجية وارتفاع تكلفة الإعلان.

ومع انتهاء العيد، يتراجع الطلب نسبيًا، لتجد بعض المشاريع نفسها أمام مخزون غير مباع أو التزامات مالية قصيرة الأجل. لذلك، لا يُقاس نجاح مشروع رمضان بحجم مبيعاته خلال الشهر فحسب، بل بقدرته على تحويل الزخم الموسمي إلى قاعدة عملاء مستمرة بعد انتهاء الموسم.

نموذج منهجي من ثلاث مراحل

رغم الزخم الاستهلاكي الذي يميز رمضان، فإن نجاح أي مشروع جديد لا يرتبط فقط بحجم الطلب، بل بكيفية إدارة الإطلاق ضمن دورة زمنية قصيرة ومكثفة. فالمعادلة لا تقوم على الاندفاع نحو السوق، بل على بناء منظّم يعتمد على التحضير المسبق والانضباط التشغيلي ورؤية واضحة لما بعد الموسم. ومن هذا المنطلق، يمكن تقسيم عملية الإطلاق الناجح إلى ثلاث مراحل مترابطة:

أولًا: ما قبل رمضان… تثبيت الأساس
تنصح تحليلات الأعمال الصغيرة بالبدء في التحضير قبل رمضان بأربعة إلى ستة أسابيع، عبر تثبيت عقود التوريد، واختبار الطلب من خلال الطلبات المسبقة، وبناء حضور رقمي واضح، مع التركيز على عرض رئيسي واحد بدل تشتيت الجهد بين منتجات متعددة.

ثانيًا: أثناء الشهر… التركيز والانضباط
خلال رمضان، يُفضل التركيز على منتج واحد أو حزمة أساسية ذات قيمة واضحة، بدل إطلاق تشكيلة واسعة يصعب ضبطها تشغيليًا. فالسوق سريعة الإيقاع، وأي خلل في التنفيذ ينعكس فورًا على السمعة، خاصة مع سرعة تداول التقييمات عبر المنصات الرقمية. ويساعد تبسيط العرض على تحسين إدارة المخزون، وضبط التكاليف، والحفاظ على جودة متسقة في كل طلب.

سمعة المشروع في الأسابيع الأولى أصل غير قابل للتعويض (الأناضول)

كما يُنصح بتحديد نطاق جغرافي واقعي لخدمات التوصيل يتماشى مع القدرة التشغيلية الفعلية، وتجنّب التوسع المبكر بدافع استغلال ذروة الطلب. فالتوسع غير المدروس قد يؤدي إلى تأخر التسليم أو تراجع جودة الخدمة، وهو ما يضعف ثقة العملاء ويحدّ من فرص الاحتفاظ بهم بعد انتهاء الموسم. لذلك، غالبًا ما يكون الانضباط في الأسابيع الأولى أكثر جدوى من النمو السريع غير المنظم.

ثالثًا: ما بعد العيد… تحويل الموسمية إلى استدامة
يُنظر إلى رمضان هنا كمرحلة تأسيس لقاعدة عملاء يمكن البناء عليها لاحقًا، وليس مجرد فترة لتحقيق أرباح سريعة. فارتفاع نية الشراء وكثافة التفاعل مع العلامات التجارية خلال الشهر يتيحان فرصة لاكتساب عملاء جدد وفهم سلوكهم الشرائي، من حيث تكرار الطلب ومتوسط قيمة السلة وتفضيلات المنتجات.

وتتمثل الخطوة الأهم بعد ذلك في تحويل هذا الزخم الموسمي إلى علاقة طويلة الأمد، عبر تصميم آليات احتفاظ فعّالة مثل الاشتراكات الدورية، وبرامج الولاء، والعروض المخصّصة لما بعد العيد. الهدف هنا هو نقل المشروع من نموذج “البيع الموسمي” إلى نموذج يولّد تدفقًا نقديًا أكثر استقرارًا ويقلّل الاعتماد على ذروات الطلب المؤقتة.

نافذة دخول… لا خط نهاية
تكشف بيانات «إبسوس» ومعهد ماستركارد للاقتصاد وشركات أبحاث السوق أن رمضان يمثل ذروة في نية الشراء والانتباه الإعلاني، لكنه في الوقت نفسه موسم تنافسي مرتفع التكلفة. لذلك، فإن إطلاق مشروع ناجح خلاله ليس قرارًا عاطفيًا، بل خطوة اقتصادية تستند إلى:

  • اختيار قطاع يتماشى مع أنماط الإنفاق الموسمية.

  • إدارة دقيقة لرأس المال العامل.

  • تقديم عرض واضح قائم على القيمة.

  • امتلاك خطة احتفاظ فعّالة لما بعد العيد.

بهذا المعنى، لا يشكّل رمضان ضمانًا للنجاح بقدر ما يمثل اختبارًا مكثفًا لقدرة المشروع على العمل تحت ضغط السوق. ومن ينجح في هذا الاختبار، يكون قد اجتاز أقصر دورة اقتصادية بأعلى مستوى من التعقيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى