آخر بوست

مؤتمر في عُمان يبحث اقتصاد الفضاء العالمي

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الفضاء إقليميًا ودوليًا، انطلقت في العاصمة العُمانية مسقط أعمال النسخة الثانية من مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء، بمشاركة واسعة تجاوزت 500 خبير ورئيس تنفيذي من أكثر من 30 دولة، إلى جانب ما يزيد على 85 متحدثًا، في دلالة واضحة على انتقال الفضاء إلى صدارة معادلات الاقتصاد والتنمية والأمن والمعرفة.

ويجمع المؤتمر نخبة من صناع القرار ووكالات الفضاء والشركات العالمية، ليفتح نقاشًا عمليًا حول موقع المنطقة في اقتصاد الفضاء العالمي، وإمكانات الانتقال من دور المستخدم للخدمات الفضائية إلى الشراكة الفاعلة في الصناعة والابتكار.

وتأتي استضافة سلطنة عُمان لهذا الحدث في توقيت وصفه رئيس البرنامج الوطني للفضاء الدكتور سعود بن حميد الشعيلي بالمفصلي، في ظل تنامي اقتصاد الفضاء واتساع تأثيره المباشر في الاقتصادات الوطنية وجودة الحياة. فمن مسقط، تتبلور ملامح رهان عُماني يتجاوز تنظيم مؤتمر دولي، نحو تثبيت موقع إستراتيجي في خارطة الفضاء الإقليمية، وبناء منظومة فضائية متكاملة تنسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.

مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء
جانب من الحضور في مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء (الجزيرة)

ركيزة اقتصادية

يوضح الشعيلي أن المؤتمر يأتي في مرحلة لم يعد فيها الفضاء قطاعًا علميًا نخبوياً، بل أصبح ركيزة اقتصادية وتنموية وأمنية ومعرفية، وهو تحول يفرض على الدول إعادة تعريف علاقتها بالفضاء، من كونه مجالًا لاستهلاك الخدمات إلى فضاء للإنتاج والاستثمار والتصنيع.

ويضيف أن استضافة السلطنة للمؤتمر تعكس مكانتها المتنامية كلاعب إقليمي طموح في قطاع الفضاء، وتجسد التزامها ببناء منظومة متكاملة تقوم على الابتكار وبناء القدرات الوطنية ونقل المعرفة وتعزيز الشراكات الدولية.

ويُعد هذا النمو المتسارع ثمرة رؤية وطنية واضحة، استندت إلى إطار مؤسسي وتشغيلي متكامل، تجسّد في إطلاق السياسة الوطنية والبرنامج التنفيذي لقطاع الفضاء للفترة 2023–2033، مع التركيز على تطوير القدرات الوطنية، ودعم البحث العلمي والابتكار، وتعزيز ريادة الأعمال عبر شراكات محلية ودولية تسهم في توطين التقنيات ونقل المعرفة.

وشكل الإطلاق التجريبي الناجح لصاروخ من منصة الإطلاق بولاية الدقم محطة مفصلية، نقلت الطموحات الفضائية من حيز التخطيط إلى التنفيذ العملي، كما أسهم توقيع اتفاقية تصميم وتصنيع وإطلاق القمر الاصطناعي العُماني لخدمات الاتصالات مع شركة إيرباص للدفاع والفضاء في تسريع نمو القطاع، وتعظيم القيمة المضافة، وبناء قاعدة صناعية فضائية مستدامة.

وفي السياق ذاته، تعمل السلطنة على استكمال الإطار التشريعي المنظم لقطاع الفضاء، بما يوفر بيئة جاذبة للاستثمارات العالمية، ويحفز نمو الشركات المحلية، ويعزز تكامل القطاع ضمن منظومة الاقتصاد الوطني، باعتباره أحد القطاعات الواعدة في مسار التنويع الاقتصادي طويل الأمد.

للاستخدام الداخلي فقط - - قادة الفضاء يجتمعون في سلطنة عُمان مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء 2026
إنفوغراف أهداف مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء 2026 المقام في مسقط

منظومة متكاملة

تتجلى خصوصية المؤتمر في تنوع المشاركين، إذ يضم ممثلين عن وكالات فضاء إقليمية ودولية، وشركات عالمية متخصصة في تصنيع الأقمار الصناعية والأنظمة الفضائية، إلى جانب شركات ناشئة وجامعات ومراكز أبحاث ومستثمرين وصناع سياسات.

ويهدف هذا التنوع إلى جمع مختلف حلقات سلسلة القيمة الفضائية في مكان واحد، بدءًا من التشريع والتنظيم، مرورًا بالتمويل والصناعة والتشغيل، وصولًا إلى البحث والتطوير. ويؤكد الشعيلي أن السلطنة تنظر إلى الفضاء كمحرك اقتصادي جديد، ومنصة لبناء وظائف المستقبل، وربط البحث العلمي بالاقتصاد الحقيقي.

وتنسجم هذه الرؤية مع ما أعلنه وكيل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات الدكتور علي بن عامر الشيذاني، الذي أشار إلى أن استثمارات قطاع الفضاء في عُمان سجلت نموًا بنسبة 200% حتى نهاية عام 2025، مع تضاعف عدد الشركات العاملة في القطاع، وثلاثة أضعاف في عدد الوظائف، ما يعكس انتقال القطاع من مرحلة التأسيس إلى مرحلة النمو.

نقل المعرفة وبناء الكوادر

يولي المؤتمر اهتمامًا خاصًا بمحور نقل المعرفة وبناء الكوادر الوطنية، من خلال جلسات حوارية متخصصة، ولقاءات مباشرة مع شركات تقنية عالمية، وطرح فرص تدريب وشراكات تشغيلية، تتيح للمهندسين والمختصين العمانيين والعرب الاحتكاك المباشر بخبرات دولية متقدمة.

كما خُصصت جلسات للطلبة والباحثين، مع دعوة مجموعات طلابية للمشاركة وربطهم بمشاريع فضائية حقيقية، بهدف الانتقال من التعليم النظري إلى الممارسة العملية، وإعداد كوادر قادرة على التصميم والتشغيل والإدارة، لا الاكتفاء بدور المتابعة.

وفي هذا الإطار، تعمل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس على تأسيس مختبر هندسة الفضاء، لتطوير القدرات المحلية في تصميم وتصنيع وإطلاق الأقمار المكعبية، وتعزيز الربط بين التعليم الأكاديمي ومتطلبات السوق.

مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء
مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء بسلطنة عمان شارك فيه ضيوف من 30 دولة (الجزيرة)

وظائف الغد والاقتصاد الجديد

لا يكتفي مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء بطرح الرؤى، بل يربطها مباشرة بسوق العمل واقتصاد المستقبل، من خلال المعرض المصاحب الذي تشارك فيه قرابة 50 شركة محلية وعالمية، تعرض فرص العمل والمهارات المطلوبة في مختلف حلقات سلسلة القيمة الفضائية.

وتشمل هذه الفرص مجالات هندسة الفضاء والأقمار الصناعية، وتحليل البيانات الفضائية، وتطوير التطبيقات الذكية للصور الفضائية، وإدارة المشاريع والتشريعات والسياسات الفضائية، إضافة إلى الاستثمار وريادة الأعمال، في إطار اقتصاد جديد قائم على المعرفة والتقنية المتقدمة.

ويبرز البعد العربي بقوة في المؤتمر، من خلال مشاركة قيادات وكالات فضاء عربية وعلماء وباحثين وبرامج وطنية، مع توجه متزايد نحو مشاريع فضاء عربية مشتركة تقوم على تبادل البيانات والخبرات، وبناء القدرات، وتحقيق تكامل في الاستثمارات والبنية الأساسية، بدل العمل في مسارات منفصلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى