تركيا

ماذا لو قصفت إيران إسرائيل؟ سيناريوهات التصعيد المحتملة

يرى الكاتب أن الولايات المتحدة وإسرائيل دفعتا العالم إلى حالة استنفار غير مسبوقة عبر التلويح المتكرر بمهاجمة إيران، وتصوير الاضطرابات الداخلية فيها بوصفها مؤشرا على «انهيار وشيك للنظام». ويؤكد أن هذا الخطاب التصعيدي استند إلى أوهام سياسية وصور نمطية، أكثر مما استند إلى استعدادات عسكرية فعلية أو قراءة واقعية لقدرات إيران.

ويشير إلى أن واشنطن وتل أبيب انساقتا وراء اندفاع المعارضة الإيرانية وأنصار نظام الشاه، ومع إضافة الاستفزازات الإسرائيلية وتصريحات ترامب المرتجلة، دخلت المنطقة كلها في حالة تأهب لحرب بدت وشيكة. غير أن الوقائع على الأرض، بحسب الكاتب، كانت معاكسة تماما لهذا المشهد الدعائي. فالولايات المتحدة، التي أمضت عاما كاملا في التحضير لغزو العراق وحشدت عشرات الدول قبل بدء الهجوم عام 2003، لم تُظهر هذه المرة أي مؤشرات جدية على الاستعداد لحرب شاملة، بل على العكس، شرعت في إخلاء قواعدها في المنطقة، بما في ذلك قاعدة العديد الجوية في قطر.

ويرى الكاتب أن لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل تمتلكان القدرة على احتلال إيران، كما أن سيناريو «الاحتلال من الداخل» عبر دعم اضطرابات داخلية لا يبدو ممكنا أيضا. ويضيف أن إدارة ترامب لا تفهم إيران ولا طبيعة مجتمعها السياسي، وأن ثقتها الزائفة استندت إلى تجربة محاولة اختطاف مادورو، وإلى افتراض خاطئ مفاده أن الضغط الخارجي وحده كفيل بإسقاط النظام الإيراني.

ويحذر من أن هذه العقلية قد تُقدم بالفعل على مهاجمة إيران، لكن من دون تصور واضح للخطوة التالية أو حساب للعواقب. ويرى أن بنيامين نتنياهو كان يدرك هذا الفراغ الاستراتيجي جيدا، وسعى إلى جرّ الولايات المتحدة إلى فخ مواجهة واسعة مع طهران.

ويؤكد أن جميع السيناريوهات التي بُنيت على نموذج «هجوم 12 يوما» في يونيو، والتي افترضت أن إيران ستنهار داخليا تحت وطأة ضربة خارجية محدودة، كانت وهما سياسيا. فإيران، بحسب الكاتب، تمتلك قدرة عالية على الصمود، والهجوم الخارجي وحده لا يكفي لإسقاط النظام، في حين أن الاحتلال العسكري غير ممكن عمليا ولا سياسيا في الظرف الدولي الراهن.

لماذا تراجع ترامب؟

ويربط الكاتب التراجع النسبي في لهجة ترامب بضغط إقليمي واسع قادته تركيا والسعودية وقطر، إلى جانب معظم دول المنطقة باستثناء الإمارات، محذرة من أن أي هجوم على إيران سيكون انتحارا استراتيجيا. ويشير إلى أن أثر هذا الضغط بدا واضحا في تصريحات ترامب الأخيرة حين قال إن «الوفيات توقفت في إيران، ولن تكون هناك إعدامات»، وهو تصريح أثار قلقا في إسرائيل.

ويلاحظ أن إسرائيل كانت في المقابل تتهيأ لسيناريو مختلف تماما، إذ أُرسلت طائرة نتنياهو إلى كريت، وجرى تعزيز الملاجئ ونشر أنظمة دفاع جوي على نطاق واسع، تحسبا لرد إيراني محتمل. ويطرح الكاتب سؤالا مركزيا: هل كانت هذه الاستعدادات تحسبا لهجوم إيراني أكثر مما كانت تحضيرا لهجوم إسرائيلي؟

ويعتبر أن ما جرى غير مسبوق، إذ بدت الولايات المتحدة وإسرائيل وكأنهما تستعدان لامتصاص ضربة إيرانية محتملة، لا لتوجيه ضربة لإيران. ويرى أن هذا النمط الجديد من الاستعداد زاد المشهد غموضا، وفتح الباب أمام فرضية التخطيط لنوع مختلف تماما من الهجوم لم تتضح معالمه بعد.

إسرائيل أكثر هشاشة مما يُتصوَّر

ينتقل الكاتب إلى تداعيات «حرب الأيام الاثني عشر»، معتبرا أنها شكلت أول اختراق حقيقي للعقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ عام 1973. ويقول إن الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية التي أصابت تل أبيب أسقطت «حصانة الحماية» الإسرائيلية، وكشفت هشاشة الجبهة الداخلية.

ويرى أن دول المنطقة أدركت للمرة الأولى «سهولة ضرب إسرائيل»، واكتشفت أنها دولة مكشوفة وضعيفة، وأن تهورها السابق كان نابعا من غياب الردع لا من فائض القوة. ويضيف أن الجغرافيا باتت سلاحا يجب استخدامه ضد إسرائيل، عبر تقييد حركتها الجوية والبحرية، وهو ما بدأت بعض دول المنطقة بالفعل في التفكير فيه.

ويلفت إلى حادثة إغلاق المجال الجوي الإيراني مؤقتا بعد وصول طائرتين من الصين محمّلتين بمساعدات غير معلومة، معتبرا أن ذلك مؤشر على استعدادات إيرانية لمرحلة جديدة، ومصدرا إضافيا للقلق في تل أبيب وواشنطن.

ما بعد الهجوم المحتمل

يحذر الكاتب من أن أي هجوم أميركي-إسرائيلي على إيران قد يفتح الباب أمام كارثة جيوسياسية غير مسبوقة. فصواريخ إيران، بحسبه، ستنهال على إسرائيل كالمطر، ولن تتمكن حتى الولايات المتحدة من منع ذلك. كما أن دول المنطقة، حتى لو لم تدعم إيران علنا، ستغلق المجال أمام إسرائيل وتدفعها إلى الزاوية.

ويرى أن إسرائيل لم تعد تشكل «حصنا عسكريا» ضروريا للغرب كما كانت في القرن العشرين، وأن التحولات الجيوسياسية الحالية، بما في ذلك تصدع العلاقات الأميركية-الأوروبية، تجعل وجودها أقل قيمة استراتيجية في نظر الغرب. ويذهب إلى أن أبواب إعادة توزيع اليهود على بقاع أخرى من العالم بدأت تُفتح، وأن إخراج إسرائيل من الخريطة الجغرافية لم يعد فكرة مستحيلة.

الاحتجاجات داخل إيران والرد المشروع

يعتبر الكاتب أن الاحتجاجات داخل إيران كانت في جوهرها «هجوما إسرائيليا ثانيا» من الداخل، بعد هجوم يونيو، وأن تل أبيب شاركت في توجيهها وإدارتها. ويؤكد أن من حق إيران الرد على هذا النوع من الهجمات، تماما كما ترد على أي عدوان خارجي.

ويرى أن عدوانية إسرائيل بلغت حدودا لم تعد مقبولة في المنطقة، وأن دولة ترتكب إبادة جماعية لا يمكن أن تنعم بالسلام. ويؤكد أن إيران وتركيا والسعودية، وأي دولة إقليمية أخرى، لن تقبل بعد الآن بهذا القدر من العربدة الإسرائيلية.

تحولات إقليمية ومحور جديد

ينتقد الكاتب الدور الإماراتي، معتبرا أنها تحركت مع إسرائيل في اليمن والسودان والصومال لتفكيك الدول وخوض «حروب قذرة»، وانتهى بها الأمر إلى الطرد من أكثر من ساحة. ويحذر من أن وجودها نفسه سيكون في خطر إن لم تراجع حساباتها.

كما يقلل من قدرة اليونان وقبرص الرومية على حماية إسرائيل، ويرى أن أي تحالف مع تل أبيب في هذه المرحلة سيكلف أصحابه خسائر جسيمة، وأن أوروبا الغارقة في صدمة غرينلاند وحرب أوكرانيا لن تهب لإنقاذ أحد.

وفي ختام تحليله، يدعو الكاتب إلى إنشاء «درع نووي إقليمي» عبر محور يضم تركيا والسعودية وباكستان، مع ضم مصر والجزائر وإندونيسيا لاحقا، معتبرا أن الشراكة الدفاعية النووية شرط لحماية الجغرافيا الإقليمية.

ويرجّح أن تكون إيران قد امتلكت السلاح النووي بالفعل، مستندة إلى دعم روسي وصيني في مجال الصواريخ والدفاعات الجوية والحرب الإلكترونية، وهو ما يجبر الولايات المتحدة على التفكير مرتين قبل أي مغامرة عسكرية.

ويخلص إلى أن العالم يتغير جذريا: الولايات المتحدة تنكفئ إلى قارتها، وأوروبا غارقة في قلقها، وإسرائيل ستُترك وحيدة عاجلا أم آجلا. وفي هذا العالم الجديد، تقوى تركيا وتضعف إسرائيل، وكلما ازدادت أنقرة قوة تقلصت تل أبيب أكثر، ولن يكون شيء سهلا بعد الآن لا للولايات المتحدة ولا لإسرائيل في هذه الجغرافيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى