آخر بوست

موجة بيع أميركا لماذا يعيد المستثمرون تسعير المخاطر ويبحثون عن بدائل للأصول الأميركية

تعود إلى الواجهة في مطلع عام 2026 ظاهرة يصفها متعاملون في الأسواق العالمية بموجة «بيع أميركا»، حيث يتجه عدد متزايد من المستثمرين إلى إعادة تموضع محافظهم بعيداً عن الأصول الأميركية التقليدية، وسط تصاعد الضبابية السياسية وتزايد الضغوط الاقتصادية وتنامي المخاطر الجيوسياسية. ولا تبدو هذه الحركة مجرد موجة مضاربة عابرة، بل أقرب إلى عملية تدريجية لإعادة تسعير المخاطر المرتبطة بالمنظومة المالية الأميركية بأكملها.

ويشير المصطلح إلى نمط متزامن من الضغوط يظهر على أكثر من أصل أميركي في الوقت نفسه، مثل تراجع الدولار أمام سلة العملات، وضعف أداء الأسهم الأميركية مقارنة ببعض الأسواق العالمية، وارتفاع عوائد سندات الخزانة نتيجة عمليات بيع أو اتساع علاوة المخاطر. وما يمنح هذه الظاهرة وزناً خاصاً هو أن المستثمرين لا يكتفون بالانتقال من أصل أميركي إلى آخر داخل السوق نفسها، بل يخففون تعرضهم للولايات المتحدة ككل لصالح أصول بديلة خارجها أو لصالح أدوات تحوط تقليدية مثل الذهب.

وتعود أسباب تجدد هذه الموجة إلى تلاقي عدة عوامل في وقت واحد. فالتوترات التجارية عادت إلى الواجهة مع تصاعد الحديث عن رسوم جمركية جديدة واضطرابات محتملة في سلاسل الإمداد، وهو ما يثير المخاوف من ضغوط تضخمية إضافية وتباطؤ في التجارة العالمية. وفي الوقت نفسه، يواجه المستثمرون حالة عدم يقين متزايدة حول مسار السياسة الاقتصادية والمالية الأميركية، في ظل نقاشات محتدمة بشأن العجز والدين العام واتجاهات السياسة الضريبية والإنفاق الحكومي.

إلى جانب ذلك، برز عامل حساس يتعلق بثقة الأسواق في استقلالية السياسة النقدية ومسار الاحتياطي الفدرالي خلال عام 2026. فجزء من القلق لم يعد اقتصادياً بحتاً، بل أخذ بعداً سياسياً ومؤسسياً، ما يدفع بعض مديري الأصول إلى رفع علاوة المخاطر التي يطلبونها للاحتفاظ بالأصول الأميركية. وهذا التحول في المزاج الاستثماري، حتى لو كان هامشياً في بدايته، يكفي لإحداث تقلبات واسعة في سوق تتسم بتمركز عالمي ضخم في الأصول المقومة بالدولار.

وتظهر موجة «بيع أميركا» على شاشات التداول بعدة طرق. أولى الإشارات غالباً ما تكون ضعف الدولار وتحول التدفقات نحو عملات رئيسية أخرى أو نحو الذهب. وقد تزامن ذلك في الأسابيع الأخيرة مع ارتفاع ملحوظ في الطلب على المعادن الثمينة، بوصفها ملاذاً آمناً في فترات عدم اليقين. كما لوحظ في بعض الجلسات تراجع متزامن في الأسهم الأميركية والسندات، وهو نمط غير معتاد في الظروف الطبيعية، حيث تميل السندات عادة إلى الارتفاع عندما تتراجع الأسهم.

غير أن الجدل لا يزال قائماً حول ما إذا كانت هذه الظاهرة تمثل تحولاً هيكلياً طويل الأمد أم مجرد رد فعل مبالغ فيه على عناوين سياسية واقتصادية ساخنة. فهناك مدرسة ترى أن ما يحدث لا يتعدى كونه إعادة تسعير مؤقتة للمخاطر، مشيرة إلى أن السوق الأميركية لا تزال الأعمق والأكثر سيولة في العالم، وأن الدولار ما زال العملة الاحتياطية الأولى، ولا توجد بدائل قادرة سريعاً على استيعاب خروج ضخم ومستدام من الأصول الأميركية.

في المقابل، يرى فريق آخر من المحللين أن القضية الأهم ليست في حدوث نزوح شامل من الولايات المتحدة، بل في أن علاوة المخاطر التي كانت منخفضة تاريخياً على الأصول الأميركية بدأت ترتفع. ومع تمركز جزء كبير من الثروة العالمية في الأسهم والسندات الأميركية، فإن أي تغيير محدود في الشهية للمخاطرة قد يترك أثراً مضاعفاً على الأسعار وسعر الصرف والعوائد، حتى لو لم يتحول الأمر إلى «هروب جماعي» من السوق الأميركية.

أما عن وجهة الأموال الخارجة، فتشير البيانات إلى ثلاثة مسارات رئيسية. الأول هو الذهب وأصول التحوط التقليدية التي تستفيد عادة من كل موجة عدم يقين سياسي أو اقتصادي. الثاني هو أسواق الأسهم غير الأميركية، خصوصاً عندما تبدو تقييماتها أكثر جاذبية أو عندما تتراجع الثقة بالمخاطر السياسية في الولايات المتحدة. والثالث هو السندات غير الأميركية، إلى جانب تحركات انتقائية داخل سوق الخزانة الأميركية نفسها عبر تغيير آجال الاستحقاق أو استخدام أدوات تحوط مختلفة بدلاً من الخروج الكامل من السوق.

وتحمل هذه الموجة تداعيات محتملة على الشرق الأوسط والأسواق الناشئة. فإذا استمر الضغط على الدولار وارتفعت عوائد السندات الأميركية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة تكلفة التمويل عالمياً، وهو ما يثقل كاهل الدول التي تعتمد على الاقتراض الخارجي. كما قد نشهد تغيراً في تدفقات المحافظ نحو أسواق بديلة بحثاً عن نمو أعلى أو تقييمات أرخص. إضافة إلى ذلك، قد تتأثر أسعار السلع، ولا سيما الذهب والطاقة، إذا اختلطت التوترات السياسية بالتجارة والعقوبات والممرات البحرية.

ويبقى السؤال الأهم: ما الذي قد ينهي هذه الموجة أو يرسخها؟ يرى مراقبون أن تراجع حرارة العناوين السياسية ووضوح مسارات الرسوم والتجارة وظهور إشارات استقرار مؤسسي في ملف السياسة النقدية قد يعيد المستثمرين تدريجياً إلى تسعير أقرب للأساسيات الاقتصادية. أما إذا استمرت مفاجآت السياسة والتجارة، أو اتسعت الشكوك حول استقلال المؤسسات، أو تفاقمت مخاوف الدين والعجز، فقد تتحول «بيع أميركا» من ظاهرة دورية إلى اتجاه أطول أمداً، يجعل التنويع بعيداً عن الولايات المتحدة خياراً دفاعياً دائماً حتى لدى المستثمرين الذين لا يراهنون على تراجع طويل الأجل للدولار.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى