تركيا

من أجل قبرص

تواجه الأمم المتحدة اليوم واحدة من أصعب مراحلها منذ تأسيسها، إذ يرى كثيرون أن المنظمة فقدت تدريجيًا جانبًا كبيرًا من قدرتها على التأثير منذ نهاية الحرب الباردة. وفي هذا السياق، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أكثر القادة انتقادًا لبنية المنظمة الحالية، إذ كرر في خطاباته أمام الجمعية العامة مقولته الشهيرة: “العالم أكبر من خمسة”، في إشارة إلى ضرورة إصلاح مجلس الأمن وإعادة هيكلة منظومة الأمم المتحدة بما يعكس موازين القوى الدولية الراهنة. إلا أن هذه الدعوات لم تُترجم حتى الآن إلى خطوات إصلاحية ملموسة.

ومن منظور تاريخي، يمكن فهم جانب من أزمة الأمم المتحدة في ضوء الظروف التي نشأت فيها. فقد تأسست المنظمة في عالم كانت تحكمه توازنات الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، إلى جانب حركة عدم الانحياز. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، تغيرت البيئة الدولية جذريًا، بينما بقيت المؤسسات الأممية تعمل بالآليات نفسها تقريبًا.

وخلال العقود التالية، برزت الولايات المتحدة بوصفها القوة الدولية الأكثر نفوذًا، وقادت العديد من التدخلات العسكرية والسياسية في إطار رؤيتها للنظام الدولي. ويرى منتقدو هذه المرحلة أن القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف تعرضت لإعادة تفسير بما يخدم التوجهات الأمريكية، وأن الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي وجدا نفسيهما في كثير من الأحيان يسيران خلف السياسات الأمريكية أكثر من كونهما إطارين مستقلين لصنع القرار الدولي.

ومع مرور الوقت، ولا سيما خلال إدارة دونالد ترامب الأولى، اتجهت واشنطن إلى اتباع سياسة أكثر أحادية، الأمر الذي عمّق أزمة المؤسسات الدولية، بعدما أصبحت الولايات المتحدة نفسها أقل التزامًا بالأطر متعددة الأطراف التي كانت تقودها سابقًا.

وتبرز هذه الأزمة، بحسب أصحاب هذا الرأي، في تعامل الأمم المتحدة مع عدد من الأزمات الكبرى. ففي أفغانستان وأوكرانيا، كما في الحرب الدائرة في غزة، بدت قدرة المنظمة على التأثير محدودة للغاية. ورغم صدور قرارات ومواقف وتصريحات داخل الجمعية العامة، فإنها لم تنجح في وقف العمليات العسكرية أو فرض حلول سياسية ملزمة. وينطبق الأمر ذاته، في نظر منتقدي المنظمة، على التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، حيث بقي الدور الأممي محدودًا مقارنة بحجم التطورات.

ومن هنا، يذهب بعض المراقبين إلى أن الأمم المتحدة لم تعد تمتلك المبادرة في إدارة الأزمات الكبرى، بل أصبحت تتحرك غالبًا في الملفات التي تسمح بها موازين القوى الدولية، أكثر مما تتحرك وفقًا لولايتها القانونية.

وفي هذا الإطار، أثار تكليف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ممثلته الشخصية ماريا أنخيلا هولغين كويلار بمتابعة ملف قبرص تساؤلات عديدة. فبينما يرى البعض أن المنظمة تسعى إلى تحقيق تقدم في النزاعات المجمدة التي تبدو فرص تسويتها أكبر من النزاعات المفتوحة، يرى آخرون أن إعادة تنشيط الملف القبرصي لا يمكن فصلها عن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها شرق البحر المتوسط.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة إذا ما نُظر إلى البحر المتوسط باعتباره أحد أهم مسارح التنافس الدولي. فالتاريخ العثماني، وفق هذا المنظور، لا يمكن فهمه من خلال الامتداد البري وحده، بل يجب النظر إليه أيضًا باعتباره تاريخ قوة بحرية سيطرت لقرون على شرق المتوسط. ولذلك، فإن السيطرة على جزر رئيسية مثل رودس وكريت وقبرص كانت جزءًا أساسيًا من التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، كما أن فقدانها خلال العقود الأخيرة من عمر الدولة العثمانية غيّر موازين القوى بصورة عميقة.

ومن هذا المنطلق، ينظر عدد من الباحثين الأتراك إلى عملية قبرص عام 1974 باعتبارها نقطة تحول أعادت لتركيا حضورًا استراتيجيًا في شرق المتوسط، بينما يُنظر إلى مفهوم “الوطن الأزرق”، الذي برز بقوة منذ عام 2019، بوصفه امتدادًا لهذه الرؤية البحرية، الهادفة إلى تعزيز المصالح التركية في البحار المحيطة بها.

غير أن قضية قبرص بقيت طوال العقود الماضية محورًا للخلاف بين أنقرة والمجتمع الدولي. فإعلان جمهورية شمال قبرص التركية لم يحظ باعتراف دولي واسع، واستمرت الأمم المتحدة في اعتبار الوضع القائم قضية احتلال وفق قراراتها، بينما انضمت جمهورية قبرص إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004 رغم استمرار الانقسام في الجزيرة.

وفي العام نفسه، طُرحت خطة الأمين العام الأسبق كوفي عنان لتوحيد الجزيرة، وهي مبادرة لا تزال محل تباين في تقييمها حتى اليوم. فبينما رأى فيها البعض فرصة تاريخية للتسوية، اعتبرها آخرون مشروعًا لم يكن يراعي المصالح التركية بصورة كافية، وانتهت في النهاية إلى الفشل بعد رفضها في الجانب القبرصي اليوناني.

ومنذ ذلك الحين، تغير المشهد الإقليمي بصورة كبيرة. فقد أُعلن عن اكتشافات مهمة للغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وازدادت أهمية خطوط الطاقة والممرات البحرية، كما أدت التحولات التي شهدها الشرق الأوسط بعد عام 2011 إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وفي الوقت نفسه، توسع التعاون بين عدد من دول المنطقة، بما في ذلك اليونان وقبرص وإسرائيل وفرنسا، في ملفات الأمن والطاقة، وهو ما تنظر إليه أنقرة باعتباره تطورًا يمس مصالحها الاستراتيجية.

وفي ظل هذه البيئة المعقدة، تثير أي مبادرة جديدة بشأن قبرص نقاشًا واسعًا داخل تركيا، خصوصًا إذا ارتبطت بقضايا حساسة مثل مستقبل القوات التركية في الجزيرة، أو نظام الضمانات الأمنية، أو العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك تحديث الاتحاد الجمركي وتسهيل منح تأشيرات شنغن.

وبالنسبة لأنقرة، فإن هذه الملفات لم تعد منفصلة عن بعضها، بل أصبحت جزءًا من معادلة جيوسياسية أوسع تشمل أمن شرق المتوسط، والتنافس على مصادر الطاقة، ومستقبل موازين القوى في المنطقة. ولهذا، يرى كثيرون داخل تركيا أن أي مفاوضات مقبلة بشأن قبرص تستدعي قدرًا كبيرًا من الحذر، وأن أي تنازل في القضايا الأمنية أو الاستراتيجية ينبغي أن يُدرس في إطار رؤية شاملة للمصالح التركية على المدى البعيد.

وفي ختام المقال، يصحح الكاتب خطأً ورد في مقاله السابق، إذ أوضح أنه كان يقصد الدعوة إلى تعزيز محور يضم تركيا وإيطاليا وإسبانيا والجزائر في مواجهة المحور الذي يضم الولايات المتحدة وفرنسا واليونان وإسرائيل، إلا أنه كتب اسم إسرائيل بدلًا من إسبانيا سهواً، موجهاً الشكر إلى قرائه الذين لفتوا انتباهه إلى هذا الخطأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى