من ميلوس إلى فنزويلا كيف عاد منطق القوة ليحكم النظام الدولي
يتناول مقال نُشر في صحيفة يني شفق لحظة مفصلية في التاريخ الدولي، تتجلى في انهيار النظام الليبرالي القائم على القواعد والقانون الدولي، ذلك النظام الذي أُنشئ عقب الحرب العالمية الثانية بهدف كبح منطق القوة العارية ومنع تكرار مآسي الحروب الكبرى. غير أن هذا النظام، وفق المقال، لم يعد قادرًا على أداء وظيفته، بعدما تآكلت قواعده وتحوّلت مؤسساته إلى أطر شكلية عاجزة عن فرض أي مساءلة حقيقية.
ينطلق المقال من مقارنة تاريخية لافتة بين التدخل الأميركي في فنزويلا، وتدخل أثينا في جزيرة ميلوس عام 416 قبل الميلاد. ففي الحالتين، تتكرر المعادلة ذاتها: قوة كبرى تفرض إرادتها بلا مواربة، وطرف أضعف يُطالَب بالخضوع أو يواجه الفناء. فقد راهن سكان ميلوس آنذاك، بدافع من السذاجة السياسية والمثالية الأخلاقية، على العدالة والإنصاف، فيما تعاملت أثينا مع المسألة بوصفها شأن قوة مجردة، حيث لا مكان إلا لمنطق الغلبة. ويستحضر المقال مقولة فكرية شهيرة مفادها أن القانون، في تقاليد الحضارة الغربية منذ اليونان القديمة، يشبه شبكة عنكبوت لا تمسك إلا بالضعفاء، بينما تمزقها القوى الكبرى متى شاءت. وفي هذا المعنى، يرى المقال أن العالم يقف اليوم على أعتاب عودة صريحة إلى شريعة الغاب.
ويؤكد المقال أن الإفلات من العقاب ليس ظاهرة عرضية، بل قوة مُحرِّضة بحد ذاتها. فغياب المحاسبة يغذي أسوأ النزعات ويدفعها إلى التمدد بلا قيود. ويشير إلى أن تجاهل إسرائيل المتواصل لقرارات الأمم المتحدة، وعجز القوى الغربية عن ردعها لعقود، مهّدا الطريق لارتكاب إبادة جماعية بلا خوف من العواقب. الأخطر من ذلك أن هذا المنطق لم يبقَ محصورًا خارج الغرب، بل ارتدّ إلى داخله، حيث باتت دول حليفة ومركزية مهددة بالابتزاز أو الإكراه. فتهديد كندا، العضو في حلف شمال الأطلسي ومجموعة السبع، وكذلك التهديدات الموجهة إلى غرينلاند التابعة للدنمارك، العضو في الاتحاد الأوروبي والناتو، تمثل شواهد صارخة على هذا التحول.
ويشير المقال إلى مفارقة خطيرة تتمثل في أن هذه التهديدات تصدر عن دولة ترتبط مع كندا والدنمارك بتحالفات عسكرية وسياسية وثيقة. ومع ذلك، يُطلب من هذه الدول الخضوع لإرادة القوة الأميركية، طوعًا أو كرهًا. ويرى المقال في هذه الوقائع تكرارًا حديثًا لمآسي الدول الصغيرة عبر التاريخ، تمامًا كما حدث مع ميلوس قبل نحو ألفين وخمسمئة عام. ويستدعي في هذا السياق مقولة أدبية شهيرة مفادها أن الماضي لا يمضي فعلًا، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة.
ويتوقف المقال عند الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام الغربية في تبييض الجرائم وإعادة تعريفها بلغة ملتوية. إذ يشير إلى تعمّد مؤسسات إعلامية كبرى تجنّب استخدام مصطلحات دقيقة لوصف ما جرى في فنزويلا، حيث يُستبدل توصيف “الاختطاف” بتعابير مخففة مثل “القبض عليه” أو “السيطرة عليه”. ويقارن المقال ذلك بالعجز ذاته عن توصيف ما يجري في غزة على أنه إبادة جماعية، معتبرًا أن هذا السلوك الإعلامي لا يعكس التباسًا لغويًا، بل انحيازًا سياسيًا وأخلاقيًا فاضحًا.
ويستشهد المقال بمواقف تحريرية صادرة عن صحف كبرى في الولايات المتحدة، تعاملت مع ما جرى في فنزويلا بوصفه “عدالة” ورسالة ردع موجهة إلى “صغار الطغاة” في العالم. ويبيّن كيف جرى التلميح صراحة إلى أن الخضوع كان سيكافأ، بينما عوقب الرفض بالسجن أو الإقصاء، في اعتراف غير مباشر بأن القضية لا تتعلق بالقانون أو الأخلاق، بل بالطاعة أو العصيان. ويرى المقال أن هذا الخطاب يكشف حربًا مفتوحة على أي نموذج سياسي أو اقتصادي يخرج عن القالب النيوليبرالي المفروض، ولا سيما في أميركا اللاتينية.
وفي هذا الإطار، يلفت المقال إلى التناقض الصارخ بين الخطاب الحمائي داخل الولايات المتحدة تحت شعار “أميركا أولًا”، وبين الإصرار على فرض الانفتاح القسري والتبعية الاقتصادية على دول الجنوب، بما فيها أميركا اللاتينية. ويؤكد أن ما يجري ليس سوى تعبير عن عداء أيديولوجي لأي نزعة جماعية أو سيادية مستقلة.
ويمضي المقال إلى التحذير من أن ما بعد فنزويلا لن يكون نهاية المطاف، بل مقدمة لسلسلة تدخلات جديدة، يُشار فيها صراحة إلى دول أخرى. ويرى أن ما يُعرف تاريخيًا بـ“مبدأ مونرو” لم يعد مقصورًا على نصف الكرة الغربي، بل يتحول إلى عقيدة توسعية عابرة للجغرافيا. فإذا كانت القوة العظمى ترى نفسها شرطي العالم، فلا سبب – من منظورها – لتقييد نفوذها بحدود أو قواعد.
ويخلص المقال إلى أن هذا النهج القائم على التدخلات السريعة والعنيفة، التي تُقدَّم باعتبارها منخفضة الكلفة وعالية العائد سياسيًا، يحمل في طياته مخاطر جسيمة. فالتاريخ العسكري مليء بالأمثلة التي تُظهر أن الضربات الخاطفة قد تشعل نزاعات أوسع بدل احتوائها. ومن هنا، فإن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد انحراف عابر، بل عودة صريحة إلى منطق القوة المجردة، في وقت لم تعد فيه الأمم المتحدة ولا القانون الدولي سوى هياكل خاوية، تنتظر أول اختبار حقيقي لتتكشف هشاشتها بالكامل.