قصة صعود ملهمة… “مغوار” من البدايات المتواضعة إلى عرش الدرونز التركية
قدّم الكاتب والمحلل التركي إسماعيل ياشا قراءة تحليلية لفيلم وثائقي يتناول سيرة أوزدمير بيرقدار، مؤسس شركة “بايكار” للصناعات الدفاعية، معتبرا أن العمل لا يروي قصة رجل واحد فحسب، بل يعكس صراعا طويلا بين مشروع التصنيع الوطني في تركيا وبين ما وصفه بعقلية “تركيا القديمة” التي فضّلت الاعتماد على الخارج وأبدت عداءً للإنتاج المحلي.
وجاءت هذه القراءة على خلفية عرض خاص للفيلم الوثائقي بعنوان “أوزدمير بيرقدار.. مغوار مرّ من هذا العالم” في مركز أوزدمير بيرقدار الوطني للتكنولوجيا بإسطنبول، بحضور نجليه خلوق بيرقدار، المدير التنفيذي لشركة بايكار، وسلجوق بيرقدار، رئيس مجلس إدارتها. ويرى الكاتب أن الفيلم يقدم سردية ملهمة حول الجهود التي سبقت القفزة الكبيرة التي حققتها تركيا في مجال الطائرات المسيّرة.
ويشير ياشا إلى أن أهمية الفيلم تكمن في إبراز البيئة التي واجهت مشاريع التصنيع الوطني في الماضي، حيث سادت – بحسب طرحه – ذهنية بيروقراطية كانت تعرقل المبادرات المحلية وتفضّل الشركات الأجنبية. ويستعرض الفيلم أمثلة على تلك العقلية، من بينها حادثة اختبار طائرة مسيّرة عام 2009 في محافظة سينوب، حين نجح نموذج الطائرة في الهبوط الذاتي، لكن ضابطا عسكريا رفض توثيق النجاح في تقرير رسمي، رغم أن هذه التقنية لم تكن متوفرة آنذاك حتى لدى بعض الدول المتقدمة.
ويتوقف الكاتب عند مسيرة شركة “بايكار”، التي تأسست عام 1984 لإنتاج قطع غيار السيارات، قبل أن تتحول تدريجيا إلى أحد أبرز اللاعبين في قطاع الصناعات الدفاعية، مؤكدا أن الشركة أصبحت اليوم ضمن أكبر الشركات التركية المصدّرة، ونجحت في تصدّر سوق الطائرات المسيّرة عالميا بعد تحقيقها عائدات تصدير بلغت نحو 1.8 مليار دولار خلال عام 2024.
وفي تحليله، يربط ياشا بين صعود بايكار وتطور الصناعات الدفاعية التركية عموما وبين الدعم السياسي الذي وفرته الحكومات المتعاقبة لحزب العدالة والتنمية، مشيرا إلى أن شركات مثل “أسلسان” و”توساش” و”روكيتسان” و”آسفات” ومؤسسة الصناعات الميكانيكية والكيميائية حققت قفزات لافتة بفضل هذا المناخ الداعم، وهو ما انعكس على إدراج عدد منها ضمن قائمة أقوى مئة شركة دفاعية عالمية وفق تصنيفات دولية.
ويرى الكاتب أن تجربة أوزدمير بيرقدار تمثل نموذجا لرائد أعمال اختار طريقا شاقا لتعزيز الإنتاج الوطني، بدلا من الاكتفاء بمسار مهني تقليدي. ويبرز الفيلم – بحسب رأيه – شخصية بيرقدار باعتباره مهندسا آمن بقدرة الكفاءات التركية على المنافسة عالميا، وسعى إلى تطوير بديل محلي للطائرات المسيّرة التي كان الجيش التركي يعتمد عليها من الخارج.
وفي سياق تحليله، يقرّ ياشا بأن عددا من شركات الصناعات الدفاعية تأسس قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، لكنه يشدد على أن التحولات الكبرى في أدائها حدثت خلال فترة حكمه، معتبرا أن البيئة السياسية الداعمة لعبت دورا أساسيا في تسريع النمو وتجاوز العقبات البيروقراطية.
ويختتم الكاتب طرحه بسؤال استراتيجي يتجاوز الفيلم الوثائقي ذاته: هل تستطيع الطفرة الصناعية والتكنولوجية التي شهدتها تركيا أن تحافظ على زخمها إذا تغيّرت المعادلة السياسية ووصلت المعارضة إلى الحكم؟ ويشير إلى أن هذا التساؤل قد يرافق الكثير من المشاهدين أثناء متابعة قصة أوزدمير بيرقدار، باعتبارها ليست مجرد سيرة شخصية، بل جزءا من نقاش أوسع حول مستقبل الصناعة الدفاعية التركية ومسارها السياسي.