آخر بوست

تحذير جديد من “ميقاتي الزلازل”.. العلماء يكذبون توقيت الكارثة المزعوم

وفي الماضي، برزت مهنة «الميقاتي»، وهو الشخص المختص بتحديد وضبط المواقيت، لا سيما مواقيت الصلاة والصيام ورؤية الأهلة وتعاقب الفصول الزمنية. وقد ارتبطت هذه المهنة بالعلم والمعرفة الفلكية، حتى إن بعض العائلات العربية حملت لقب «الميقاتي» نسبة إلى امتهان أجدادها هذا الدور.

ومع تطور العلوم الحديثة وأدوات القياس الدقيقة، تراجعت هذه المهنة التقليدية، غير أن الناشط الهولندي فرانك هوغربيتس، الذي تصفه بعض وسائل الإعلام بـ«عالم الزلازل» رغم عدم وجود أبحاث علمية منشورة باسمه، أعاد إحياء الفكرة بصورة مختلفة، عبر تنصيب نفسه ما يشبه «ميقاتي الزلازل»، إذ يظهر بين الحين والآخر معلنًا مواعيد محتملة لحدوث نشاطات زلزالية.

ويتمثل القاسم المشترك بين المهنة القديمة والدور الذي ابتكره هوغربيتس لنفسه في الاعتماد على حركة الأجرام السماوية، غير أن الفارق الجوهري يكمن في الأساس العلمي؛ فالميقاتي القديم كان يستند إلى قواعد فلكية دقيقة ومثبتة، في حين أن ما يطرحه هوغربيتس أقرب إلى التنجيم منه إلى المنهج العلمي المعتمد.

ويزعم هوغربيتس وجود علاقة مباشرة بين حركة الكواكب والتغيرات التي تطرأ على الصفائح التكتونية للأرض، ما يؤدي –بحسب ادعائه– إلى حدوث الزلازل، معتبرًا أن تأثير هذه العلاقة يزداد عند اقتران الأرض مع كواكب أخرى في المجموعة الشمسية. وانطلاقًا من هذا التصور، يحرص على الظهور عبر منصات التواصل الاجتماعي قبل كل اقتران فلكي، محذرًا من نشاط زلزالي محتمل.

وكان آخر ظهور له يوم الجمعة الماضي، حين ادّعى أن اقتران الأرض والقمر وكوكب المشتري خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 15 فبراير/شباط الجاري قد يؤدي إلى حدوث نشاط زلزالي، في طرح أثار مجددًا جدلًا واسعًا بين المتابعين والعلماء على حد سواء.

أصل تاريخي لنظرية بالية

لم يكن الربط بين حركة الأجرام السماوية وحدوث الزلازل طرحًا جديدًا جاء به فرانك هوغربيتس، إذ سبقه إلى هذا الادعاء عدد من الباحثين، أبرزهم العالمان جون غريبين وستيفن بلاغمان، اللذان تنبآ بوقوع زلزال مدمر على صدع سان أندرياس في ولاية كاليفورنيا يوم 10 مارس/آذار 1982، نتيجة ما وصفاه باصطفاف كواكب عطارد والزهرة والأرض والمريخ والمشتري وزحل وأورانوس ونبتون وبلوتو.

وقد روّج غريبين وبلاغمان لهذه الفرضية في كتاب ألّفاه عام 1974 تحت عنوان «تأثير المشتري» (The Jupiter Effect)، معتبرين أن هذا الاصطفاف الكوكبي سيكون له تأثير مباشر على النشاط الزلزالي للأرض. غير أن عدم وقوع الزلزال المزعوم شكّل ضربة قاضية للنظرية، وأسهم في انهيارها مبكرًا.

ولم يقتصر الأمر على فشل التوقع فحسب، بل إن أحد مؤسسي النظرية، جون غريبين، تبرأ منها لاحقًا، معربًا بحلول نهاية تسعينيات القرن الماضي عن أسفه لارتباط اسمه بهذا الطرح.

ورغم ذلك، لم يُغلق هذا الملف نهائيًا، إذ عاد آخرون لتكرار الفكرة ذاتها بعد غريبين وبلاغمان، من بينهم صالح محمد عوض من جامعة بغداد، ومنصور باشا من البوسنة، غير أن أطروحاتهم لم تلقَ اهتمامًا يُذكر.

لكن المشهد اختلف مع ظهور فرانك هوغربيتس، الذي أسهمت الصدفة في منحه حضورًا واسعًا. ففي مطلع عام 2023، كتب على حسابه في منصة «تويتر» (إكس حاليًا)، قبل أيام من الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا في 6 فبراير/شباط، أن منطقة صدع شرق الأناضول ستشهد زلزالًا «عاجلًا أو آجلًا».

وكان تحقق هذا التوقع، بصيغته العامة وغير المحددة، كافيًا لمنحه انتشارًا لافتًا، وليضعه في صدارة النقاشات العامة خلال السنوات الثلاث الماضية، رغم استمرار الجدل العلمي حول صحة الأسس التي يستند إليها في تنبؤاته.

سقوط متكرر.. واستراتيجية لا تتغير

ورغم أن نظرية هوغربيتس لم تثبت فعاليتها طيلة السنوات الماضية، وفشلت مرارًا وتكرارًا في التنبؤ بوقوع زلازل بالتزامن مع أكثر من حدث فلكي لاقتران الكواكب، فإن استراتيجيته لم تتغير، فهي تعتمد على ما يمكن تلخيصه بـ: “إطلاق التوقع، فإذا أصاب يحقق مزيدًا من الانتشار، وإذا أخفق يختفي لفترة ثم يعود بتوقع جديد، لعل الحظ يخدمه مرة أخرى”.

ومنذ وقت مبكر، أغلقت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية هذا الملف، مشيرة في مقال مطول على موقعها الرسمي إلى أن أي شخص يدّعي قدرته على التنبؤ بالزلازل يجب أن يستوفي ثلاثة شروط أساسية: أولها تحديد التاريخ والوقت بدقة، ثم الموقع، وأخيرًا قوة الزلزال المتوقع.

ويشرح الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، معنى هذه الشروط الثلاثة قائلاً للجزيرة نت: “هذه الشروط تغلق باب ما يمكن تسميته بـ(التنجيم الزلزالي)، لأن العالم يشهد يوميًا مئات الزلازل متباينة القوة، ولا يُعلن عادة إلا عن تلك التي يشعر بها الناس. لذا عندما يدعي أحدهم التنبؤ بزلزال، يجب أن يحدد مكانه، ووقت وقوعه، وقوته، وإلا فادعاؤه بلا قيمة”.

ويشير الهادي إلى تغريدة هوغربيتس التي منحته شهرة واسعة قائلاً: “هي تغريدة لم تقل شيئًا، فصدع شرق الأناضول معروف منذ زمن طويل بأنه نشط زلزاليًا، وقد أشارت إليه دراسات عديدة. الرجل أطلق التغريدة، وكان من حسن حظه أن وقع الزلزال بعدها، وهذا لا يعني وجود علاقة علمية”.

ويضيف الهادي سببين آخرين كافيين لإغلاق ملف “ميقاتي الزلازل” الهولندي: الأول، أن العديد من الزلازل الضخمة وقعت قبل ذيوع شهرته، وكذلك بعده، دون أي ارتباط باصطفاف الكواكب، مثل الزلزال الذي ضرب مصر في التسعينيات. أما السبب الثاني، فيتعلق بالمسافة الشاسعة بين الأرض وكواكب مثل المشتري، التي تجعل من المستحيل أن يكون لها تأثير ملموس على النشاط الزلزالي للأرض. ويضيف: “إذا كان لأي جرم سماوي تأثير، فالأقرب هو القمر، الذي يسبب ظاهرة المد والجزر، وبعض الزلازل الصغيرة غير المحسوسة، لكن حتى الآن لم يثبت أي عالم وجود علاقة بين طور البدر والزلازل الكبيرة”.

وعن سؤال محتمل: “ماذا لو وقع زلزال في الفترة الجديدة التي حددها هوغربيتس (13 إلى 15 فبراير/شباط الجاري)؟”، أجاب الهادي بلهجة حاسمة: “لن يغيّر ذلك من تحليلي، فهذا تنجيم وليس علمًا، ولن أجد أفضل من العبارة الشهيرة: كذب المنجمون ولو صدفوا، للتعبير عن ذلك”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى