تركيا

عقلية إزمير هل تصلح لإدارة تركيا؟

في السياسة، ثمة أسئلة لا تُطرح بقصد الوصول إلى إجابات مباشرة، بل بهدف كشف العقليات والذهنيات التي تقف خلف القرارات. ومن هذا القبيل يندرج السؤال: ماذا لو أُديرت تركيا خلال العشرين عامًا الماضية بالعقلية نفسها التي أدارت مدينة إزمير؟ أي بلد كنا سنكون اليوم؟

هذا السؤال لم يُطرح اعتباطًا، بل جاء في سياق كلمة أُلقيت يوم السبت عند الساعة الثانية بعد الظهر في وقف الوحدة، تناولت قضايا تمتد من الأمن إلى السياسة الخارجية، وصولًا إلى المشهد السياسي التركي العام. وقد جرى جعله محور النقاش عن قصد، لأن الموقع الذي وصلت إليه تركيا اليوم لا يعود فقط إلى ما تحقق من إنجازات، بل كذلك إلى ما لم يُنجز، وما جرى تأجيله، أو استبعاده بفعل خيارات سياسية واعية.

وحين يُذكر وقف الوحدة، يحضر تلقائيًا إرث شخصيات تركت بصمتها العميقة في الحياة العامة، وهو ما يذكّر بأن النضال القائم على الصبر والتضحية لا يختفي أثره، بل يتراكم في الذاكرة الجمعية ويؤتي ثماره بعد عقود.

واستُهلّ الحديث باستعادة ذكرى من سنوات الدراسة الجامعية عام 1987، حين كانت تركيا تعيش أجواء أيديولوجية حادة، ونقاشات راديكالية تكاد تُدار بروح صدامية. في تلك المرحلة، وبينما كان النشاط الطلابي محتدمًا، قادت الصدفة إلى حضور محاضرة في وقف الوحدة، ألقاها أحد الأكاديميين البارزين حول “نظرية الاقتصاد عند الغزالي”. وعلى النقيض من صخب المرحلة وسطحية كثير من نقاشاتها، جاء الأسلوب هادئًا، عميقًا، رصينًا، ليُرسّخ قناعة مبكرة بأن الطريق الحقيقي ليس طريق الضجيج، بل طريق التفكير الهادئ والكلام المسؤول.

بعد نحو ثلاثين عامًا، عاد المشهد من زاوية مختلفة. فالمكان ذاته لم يكن مجرد قاعة لمحاضرة، بل فضاءً يضم رجالًا ونساءً راكموا تجارب ونضالات امتدت لخمسين أو ستين عامًا، ودفعوا أثمانًا من أجل هذا البلد. وفي مثل هذه البيئات، لا تكمن القيمة في الخطاب بحد ذاته، بل في النقاش العميق الذي يولده.

وفي هذا السياق، جرى التوقف عند المرحلة الإشكالية التي بلغتها السياسة الخارجية التركية مع اندلاع الحرب الأهلية السورية، والتحول من شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة إلى حالة خصومة واضحة، وانهيار البنية التي تشكلت منذ عام 1950 على محور حلف الناتو، وكيف تعاملت تركيا مع هذا الانهيار.

في مواجهة هذا التحول، لجأت تركيا إلى توظيف قوتها الصلبة. نفذت عمليات عسكرية في سوريا، وقدمت دعمًا مباشرًا في ليبيا، وأرسلت قواتها البحرية إلى شرق المتوسط. ثم جاءت حرب قره باغ، لتكشف بوضوح حجم التأثير العسكري التركي والدور الحاسم الذي أسهم في انتصار أذربيجان.

ومن خلال هذه المسارات، بدأت تركيا تدريجيًا في استعادة موقعها الإقليمي والدولي. ولم يكن تكثف الاتصالات الدولية مع القيادة التركية بعد حرب قره باغ أمرًا عابرًا أو وليد صدفة، بل تعبيرًا عن إدراك جديد لمكانة تركيا. وقد طُرح في هذا السياق سؤال دال: أيهما كان أكثر خلال فترة قصيرة، اجتماعات الأمم المتحدة أم الاتصالات الهاتفية بين رئيس الجمهورية وقادة الدول؟

اليوم، يجري الحديث عن إعادة تموضع جيوسياسي امتدت ملامحه على مدى خمسة عشر عامًا، من تداعيات الحرب السورية، إلى التقارب مع مصر والسعودية وباكستان، ومن موازين القوى في خليج عدن والبحر الأحمر، إلى ملفات السودان واليمن.

وسط هذا المشهد، تبرز حقيقة غالبًا ما يُغفل عنها: أن تركيا، إلى جانب الصين، من الدول القليلة التي أنجزت بنيتها التحتية وحققت نموها من دون اعتماد حاسم على الدعم الغربي. فلم يعد النقاش يدور فقط حول الصناعات الدفاعية، بل يشمل الطاقة، والطرق، والمراكز اللوجستية، وشبكات النقل، والمنظومات الاقتصادية المتكاملة.

هذه البنية التحتية، الممتدة من التعليم إلى الصحة، ومن النقل إلى الطاقة، حين اقترنت بجيش قوي وصناعة دفاعية متقدمة، نقلت تركيا إلى موقع الفاعل الذي لا يمكن تجاهله في الحسابات الإقليمية والدولية.

وهنا يفرض السؤال الجوهري نفسه: ماذا لو أن العقلية التي أدارت مدينة إزمير هي التي أدارت تركيا خلال العقدين الماضيين؟ ماذا لو تولت شؤون البلاد عقلية لا تضع الاستثمار أولوية، ولا تمتلك رؤية تنموية، وتنغمس في سياسات يومية قصيرة الأمد؟ أي صورة لتركيا كنا سنشهدها اليوم؟

فالأشياء تُعرَف بأضدادها. وعندما نتحدث عن المكانة التي بلغتها تركيا، وعن فاعليتها الدبلوماسية والسياسية، يصبح من الضروري التفكير في البدائل التي كان يمكن أن تقود إلى نتائج مختلفة تمامًا.

هذا السؤال مؤلم أولًا لقوى سياسية بعينها، لأن الإجابة عن عجزها المزمن عن الوصول إلى السلطة تكمن في هذا الفارق الذهني. لكنه في الوقت ذاته سؤال مصيري بالنسبة للقوى الحاكمة نفسها: ما الدافع الذي أوصلها إلى السلطة؟ وهل ثمة مجالات تآكل فيها هذا الدافع أو ابتعد عن جوهره؟

فإذا تحولت الذهنية الحاكمة، لا قدّر الله، إلى نسخة مشابهة لتلك العقلية المحلية الضيقة، فلن تكون المسألة مسألة حزب أو انتخابات، بل مسألة مستقبل دولة بكاملها.

ذلك أن لأنقرة قدرة تحويلية هائلة، وقد أظهرت التجربة التاريخية أن هذه القدرة لا تغيّر موازين القوى فحسب، بل تستطيع أيضًا إبعاد الأحزاب عن مبادئها وأهدافها الأصلية إن غابت اليقظة والرؤية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى