تركيا

وحدة سوريا وأمن تركيا: لحظة تقاطع تنهي أخطر مشروع على الحدود

تشهد الساحة السورية في الأشهر الأخيرة تحوّلات نوعية تتجاوز كونها مجرّد تطورات أمنية أو سياسية عابرة، لتلامس جوهر الصراع الذي حكم البلاد لأكثر من عقد. فالمعادلة التي سادت طويلًا – دولة ضعيفة، وجغرافيا ممزقة، وسلطات أمر واقع مدعومة خارجيًا – بدأت تتآكل تدريجيًا، لصالح مسار جديد يقوم على إعادة بناء مركز الدولة، وتفكيك المشاريع الانفصالية، وإعادة ضبط العلاقة بين الداخل السوري ومحيطه الإقليمي، وفي مقدمته تركيا.

أولًا: التحوّل في الداخل السوري… من إدارة الأزمة إلى استعادة الدولة

داخليًا، لم تعد الأزمة السورية تُدار بمنطق ردّ الفعل أو بالمعالجة الأمنية الجزئية، بل بات واضحًا أن هناك توجّهًا للتعامل مع الصراع بوصفه مسألة سيادة ووحدة وطنية. ويتجلى هذا التحوّل بوضوح في طريقة التعاطي مع ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي بسطت خلال سنوات الحرب سيطرتها على ما يقارب ثلث الأراضي السورية، بما في ذلك مناطق استراتيجية غنية بالنفط والمياه والزراعة.

المقاربة الجديدة لهذا الملف لم تنطلق من خيار المواجهة العسكرية المباشرة، بل من تفكيك الأسس التي قام عليها مشروع قسد أصلًا: الغطاء الدولي، والتناقضات الاجتماعية داخل مناطق نفوذها، واعتمادها على العشائر العربية كعمق ميداني. ومع تصاعد الاحتقان الشعبي بسبب سياسات التجنيد الإجباري، والإدارة الفوقية، وتدهور الخدمات، بدأت قسد تفقد أحد أهم عناصر قوتها: القبول المحلي.

وبالتوازي، جرى توظيف المسارين السياسي والإعلامي لإبراز تعنت قسد وفساد إدارتها، ما أدى تدريجيًا إلى تآكل شرعيتها، حتى في بعض الأوساط الكردية نفسها. وهنا تبرز نقطة مفصلية: استهداف شرعية المشروع ذاته، لا شكله العسكري فقط.

ثانيًا: قسد والبعد الإقليمي… لماذا يشكّل وجودها تهديدًا لتركيا؟

لا يمكن فهم الموقف التركي من قسد بمعزل عن التجربة التاريخية القاسية التي خاضتها تركيا طوال نحو 45 عامًا من الصراع مع التنظيمات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK). هذا الصراع كلّف الدولة التركية عشرات آلاف الضحايا، واستنزف مئات مليارات الدولارات، وأعاق التنمية في مناطق واسعة من الأناضول.

انتقال هذا التهديد إلى الجغرافيا السورية، عبر كيان مسلح يتموضع على طول الحدود الجنوبية لتركيا، لم يكن بالنسبة لأنقرة مجرد ملف سياسة خارجية، بل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي. فوجود كيان عابر للحدود، مدعوم من قوى دولية، ويحمل الأيديولوجيا والانتماء التنظيمي نفسيهما، يعني عمليًا إعادة إنتاج الأزمة داخل المجال الحيوي التركي، ولكن بظروف أكثر تعقيدًا.

من هنا، فإن تعامل تركيا مع الملف السوري، ولا سيما في شماله، لم يكن ظرفيًا أو ردًّا على تطورات آنية، بل جزءًا من استراتيجية أمن قومي طويلة الأمد.

ثالثًا: الدور التركي… من العمليات العسكرية إلى تفكيك المشروع

منذ عام 2016، اعتمدت تركيا مقاربة متعددة المستويات في سوريا، بدأت بالعمل العسكري المباشر عبر عمليات درع الفرات، وغصن الزيتون، ونبع السلام. هذه العمليات لم تكن تحركات تكتيكية معزولة، بل ضربات استراتيجية متتالية أجهضت مشروع إقامة كيان انفصالي متصل جغرافيًا على الحدود التركية.

لكن الأهم من العمليات العسكرية هو ما تلاها: تثبيت مناطق آمنة، منع الفراغ الأمني، إدارة محلية، وبناء توازنات ميدانية حالت دون تمدد قسد وقلّصت قدرتها على التحول إلى كيان مكتمل الأركان.

وفي المرحلة الأحدث، انتقلت أنقرة من دور الفاعل العسكري المباشر إلى دور الداعم السياسي والأمني المنظّم للدولة السورية، في إطار رؤية تقوم على وحدة سوريا، وإنهاء الانقسام، وإعادة مركزية القرار السيادي. ويعكس هذا التحول إدراكًا تركيًا بأن القضاء النهائي على التهديد لا يتحقق بالسلاح وحده، بل عبر دولة سورية قوية قادرة على ضبط جغرافيتها وحدودها.

رابعًا: التنسيق التركي–السوري… مسار تراكمي لا وليد اللحظة

إفشال مشروع قسد لم يكن نتيجة تحركات مفاجئة أو ظرف دولي عابر، بل حصيلة سنوات من التخطيط، والصبر الاستراتيجي، والتنسيق غير المعلن أحيانًا والمعلن أحيانًا أخرى بين أنقرة ودمشق. وقد اتخذ هذا التنسيق أشكالًا متعددة: أمنية، وسياسية، وضغوطًا دبلوماسية غير مباشرة على الأطراف الدولية الداعمة لقسد.

وفي لحظة دولية تتسم بانشغال الولايات المتحدة بصراعاتها الكبرى مع الصين وروسيا، وإعادة ترتيب أولوياتها العالمية، استطاعت تركيا أن تهيئ المناخ الدولي لتراجع الغطاء عن قسد، من دون الدخول في صدام مباشر مع واشنطن، بل عبر إدارة ذكية للتوازنات والمصالح.

خامسًا: الدلالات الاستراتيجية… ماذا يعني هذا التحول لتركيا وسوريا؟

يحمل مسار تفكيك المشروع الانفصالي دلالات استراتيجية عميقة:

  1. بالنسبة لتركيا: يعزز أمنها القومي، وينهي تهديدًا حدوديًا مزمنًا، ويفتح المجال أمام استقرار طويل الأمد ينعكس إيجابًا على التنمية والاقتصاد.
  2. بالنسبة لسوريا: يكرّس استعادة جزء أساسي من السيادة الوطنية، ويعزز منطق الدولة الجامعة بدل سلطات الأمر الواقع.
  3. بالنسبة للمنطقة: يساهم في تقليص بؤر الصراع، وإضعاف المشاريع العابرة للحدود التي تهدد استقرار المشرق بأكمله.

خلاصة

ما تشهده سوريا اليوم ليس انتصارًا عسكريًا بقدر ما هو تحوّل في منطق إدارة الدولة والصراع. والدور التركي في هذا التحول لا يمكن اختزاله في دعم ظرفي أو تحرك تكتيكي، بل هو نتاج رؤية أمن قومي عميقة، وتجربة تاريخية مكلفة، وإدراك بأن استقرار سوريا الموحدة هو شرط أساسي لاستقرار تركيا والمنطقة.

إنها لحظة مفصلية، لا تُقاس بضجيج الخطاب، بل بنتائجها على الأرض… وبمسار تاريخ يُكتب بهدوء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى