العالم

لوتان: الأفارقة في مواجهة ترمب الذي لا يعدّهم أشخاصا جديرين بالاحترام

لم تعد الإدارة الأميركية تنظر إلى أفريقيا باعتبارها شريكًا في مسارات التحول الديمقراطي أو فضاءً للتنمية البشرية، بل باتت القارة، في منظور البيت الأبيض خلال عهد الرئيس دونالد ترمب، تُختزل في كونها مخزنًا للموارد الطبيعية وساحة لعقد صفقات تجارية مباشرة وخالية من الاعتبارات القيمية، وفق ما خلص إليه تقرير نشرته صحيفة لوتان السويسرية.

ورسم التقرير، الذي أعدّته الصحفية كاترين موران من العاصمة الإيفوارية أبيدجان، صورة قاتمة لمآلات العلاقات الأميركية الأفريقية بحلول عام 2026، مشيرًا إلى تراجع واضح في حضور “القوة الناعمة” الأميركية، الأمر الذي يفتح المجال أمام توسّع النفوذ الصيني والروسي في القارة.

وتوضح موران أن ترمب لا يُبدي اهتمامًا حقيقيًا بالشأن الأفريقي، وهو ما ينعكس في محدودية معرفته بدول القارة وتعقيداتها. وتستحضر الكاتبة تصريحاته خلال ولايته الأولى حين وصف دولًا أفريقية بأنها “دول قذرة”، وهو توصيف ترى أنه ما زال حاضرًا بقوة في الذاكرة الجماعية الأفريقية، ويؤثر سلبًا في صورة الولايات المتحدة ومصداقيتها داخل القارة.

President Donald Trump speaks with African leaders including Senegalese President Bassirou Diomaye Faye, Liberian President Joseph Nyuma Boakai, Bissau-Guinean President Umaro Sissoco EmbalÛ, Mauritanian President Mohamed Ould Ghazouani and Gabonese President Brice Oligui Nguema during a lunch in the State Dining Room of the White House, Wednesday, July 9, 2025, in Washington. (AP Photo/Evan Vucci)
ترمب (يمين) مع قادة أفارقة داخل البيت الأبيض (أسوشيتد برس)

سياسة المناجم

منذ عودته إلى السلطة، لم يُبدِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أي رغبة في الانفتاح على القارة الأفريقية أو فهم تعقيداتها السياسية والاجتماعية، ولم يزر أيًا من دولها حتى الآن. وبدلًا من ذلك، بات يستدعي القادة الأفارقة إلى واشنطن وفق معيار واحد هو ما تختزنه بلدانهم من ثروات باطنية، في مقاربة تختزل العلاقات الدولية في معادلة الموارد مقابل النفوذ.

وتشير المعطيات إلى أن الهدف المركزي للإدارة الحالية يتمثل في تأمين المعادن الإستراتيجية الضرورية للصناعات التكنولوجية المتقدمة، في إطار سعيها إلى تحجيم النفوذ الصيني المتنامي، الذي يُشار إليه في الخطاب الأميركي بـ“التنين الصيني”. وفي هذا السياق، تندرج محاولات واشنطن التوسط بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، لا بدافع حماية المدنيين أو إرساء الاستقرار، بل لضمان وصول الشركات الأميركية إلى مناجم النحاس والكوبالت الحيوية للصناعات المستقبلية.

ويحذر جيل يابي، مؤسس ومدير مركز أبحاث واثي في العاصمة السنغالية دكار، من أن ترمب “لا يؤمن إلا بمنطق القوة”، ولا ينظر إلى أفريقيا إلا من زاوية المصالح الأميركية الضيقة وقصيرة الأمد، دون اعتبار للشراكات طويلة المدى أو البعد الإنساني والسياسي.

إهانة الحلفاء

تجلت ملامح ما وُصف بـ“دبلوماسية الخشونة” بوضوح في العلاقة مع جنوب أفريقيا، حين اتهم ترمب حكومة بريتوريا بممارسة “إبادة جماعية ضد الأقلية البيضاء”، وهو اتهام اعتبره محللون ردًا عقابيًا على لجوء جنوب أفريقيا إلى ملاحقة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.

وأدى هذا التصعيد إلى إعلان جنوب أفريقيا انسحابها المؤقت من مجموعة العشرين خلال فترة الرئاسة الأميركية، في خطوة وصفها الأكاديمي كوفي كواكو بالجريئة، معتبرًا أن ترمب “لا يتعامل مع الأفارقة بوصفهم شركاء محترمين، بل يعتمد أسلوب الإهانة والضغط لإجبار القادة على الخضوع”.

ولم تسلم نيجيريا بدورها من هذا النهج، إذ استُخدمت ورقة “اضطهاد المسيحيين” لتبرير ضربات عسكرية بالطائرات المسيّرة في مناطق لا تشهد نشاطًا إرهابيًا واضحًا، في خطوة فُسرت على نطاق واسع بأنها استعراض قوة موجه بالأساس لإرضاء القاعدة الإنجيلية الداعمة لترمب داخل الولايات المتحدة.

وفي غضون عام واحد، وجهت إدارة ترمب ضربات قاصمة للعمل المتعدد الأطراف في أفريقيا عبر:

  • إنهاء المساعدات: أُغلقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية نهائيا، وهي التي كانت شريان الحياة لملايين الأفارقة منذ عام 1961.
  • عزلة دبلوماسية: بـ”مكالمة هاتفية” ليلة عيد الميلاد، أقيل 15 سفيرا أمريكيا في أفريقيا، تاركين السفارات شاغرة دون بدلاء.
  • الحرب التجارية: أوقف ترمب العمل باتفاقية “أغوا” التي كانت تمنح الدول الأفريقية إعفاءات جمركية، واستبدلها برسوم “فانتازية” وصلت إلى 30% ضد جنوب أفريقيا.

هذا الانكفاء الأمريكي أدى إلى هجرة أفريقية جماعية نحو الشرق، فبدورها سارعت الصين لإلغاء الرسوم الجمركية عن جميع الدول الأفريقية تقريبا، في وقت تغلغل فيه النفوذ الروسي والتركي والسعودي في الفراغ الذي خلفته واشنطن.

القادم أسوأ؟

يرى المراقبون أن العالم أمام مرحلة “تراجع ديمقراطي” مخيف، فوجود زعيم في البيت الأبيض يكسر القواعد الدولية يشجع الأنظمة السلطوية في أفريقيا على المضي قدما في قمع شعوبها، ومع تشديد قيود التأشيرات على 25 دولة أفريقية، تبدو واشنطن وكأنها تبني جدارا عازلا، ليس مع المهاجرين فحسب، بل مع قارة بأكملها كانت يوما حليفا إستراتيجيا.

وختاما، يبقى التساؤل: هل تدرك واشنطن أن مقايضة القيم بالمعادن قد تمنحها النحاس والكوبالت اليوم، لكنها ستفقدها القارة السمراء للأبد لصالح خصومها الدوليين؟

وخلال عام واحد فقط، وجّهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضربات متلاحقة لمنظومة العمل المتعدد الأطراف في أفريقيا، عبر حزمة قرارات أعادت رسم العلاقة مع القارة على نحو غير مسبوق.

أولى هذه الضربات تمثلت في إنهاء المساعدات، مع الإغلاق النهائي لـالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي شكّلت منذ تأسيسها عام 1961 شريان دعم أساسيًا لملايين الأفارقة في مجالات الصحة والتعليم والتنمية. خطوة رأت فيها الأوساط الأفريقية والدولية انسحابًا صريحًا من أحد أهم أدوات النفوذ الأميركي الناعم.

أما الضربة الثانية فجاءت على مستوى الدبلوماسية، إذ دخلت العلاقات الأميركية الأفريقية مرحلة عزلة غير مسبوقة، بعد أن أُقيل 15 سفيرًا أميركيًا في دول أفريقية عبر “مكالمة هاتفية” جرت ليلة عيد الميلاد، لتُترك السفارات الأميركية شاغرة دون تعيين بدلاء، في رسالة فسّرها مراقبون على أنها استخفاف مؤسسي بالعلاقات مع القارة.

وجاءت الضربة الثالثة في سياق الحرب التجارية، حين أوقف ترمب العمل باتفاقية أغوا التي كانت تمنح الدول الأفريقية إعفاءات جمركية لتسهيل دخول منتجاتها إلى السوق الأميركية، واستُبدلت برسوم وُصفت بـ“الفانتازية”، وصلت إلى 30% على صادرات جنوب أفريقيا، ما شكّل صدمة قوية لاقتصادات تعتمد على التصدير.

هذا الانكفاء الأميركي فتح الباب أمام تحوّل استراتيجي في بوصلة القارة، إذ شهدت أفريقيا موجة توجه جماعي نحو الشرق. فقد سارعت الصين إلى إلغاء الرسوم الجمركية عن معظم الدول الأفريقية، في وقت تمدد فيه النفوذ الروسي والتركي والسعودي داخل الفراغ السياسي والاقتصادي الذي خلّفته واشنطن.

القادم أسوأ؟

يرى مراقبون أن العالم مقبل على مرحلة مقلقة من “التراجع الديمقراطي”، إذ إن وجود قيادة في البيت الأبيض تكسر القواعد والأعراف الدولية يمنح الأنظمة السلطوية في أفريقيا غطاءً إضافيًا للمضي في قمع شعوبها. ومع تشديد قيود التأشيرات على 25 دولة أفريقية، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تبني جدارًا عازلًا، لا في وجه المهاجرين فقط، بل مع قارة كاملة كانت يومًا حليفًا إستراتيجيًا محوريًا.

وفي المحصلة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تعي واشنطن أن مقايضة القيم بالمعادن قد تمنحها النحاس والكوبالت اليوم، لكنها قد تخسر في المقابل القارة السمراء إلى الأبد، لصالح خصومها الدوليين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى