سوريا

“أرض مباركة”.. جدل سوري بعد إشادة الشرع بروسيا وجنودها

شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة واسعة من الجدل عقب الكلمة الترحيبية التي ألقاها الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين بالعاصمة موسكو، الأربعاء الماضي، ولا سيما المقطع الذي استحضر فيه دلالات تاريخية ورمزية مرتبطة بروسيا وجيشها وطبيعتها. فقد قال الشرع إنه عند قدومه من المطار لاحظ كثافة الثلوج على الطريق إلى الكرملين، ما أعاده إلى صفحات من التاريخ، حين فشلت حملات عسكرية عدة في الوصول إلى موسكو بفعل شجاعة الجنود الروس، وبمساندة الطبيعة التي أسهمت في الدفاع عن تلك الأرض.

هذه الكلمات كانت كافية لإشعال نقاش حاد في الفضاء الافتراضي، إذ انقسم المتابعون بين من اعتبرها زلة لسان غير محسوبة، ومن رآها تعبيرا عن براعة سياسية محسوبة، فيما ذهب فريق ثالث إلى انتقاد ما وصفوه بمدح غير مبرر لروسيا، الدولة التي ارتبط اسمها في الذاكرة السورية بالمجازر والدمار، وكانت الداعم الأبرز للرئيس المخلوع بشار الأسد. وعلّق بعض المغردين بأن العبارات التي استخدمها الشرع عن شجاعة الجنود الروس وكون روسيا أرضا مباركة قد تتكرر مستقبلا مع أطراف أخرى كإيران، تحت عنوان السياسة ومقتضياتها.

في المقابل، دافع آخرون عن موقف الرئيس السوري، معتبرين أن السياسة تفرض أحيانا لغة لا تشبه الخطاب الشعبي، وأن ما لا يجوز على العامة قد يكون مقبولا من رجل دولة يسعى لحماية مصالح بلاده وتثبيت حدودها والحفاظ على أمن شعبه. ورأى هؤلاء أن تصريحات الشرع لا ترقى إلى مستوى الخطأ أو الجريمة، بل تأتي في سياق زيارة حققت مكاسب سياسية ودبلوماسية على أكثر من مستوى. كما أشار مدافعون إلى أن المبالغة في المدح ليست غريبة عن الثقافة العربية، بل درج العرب تاريخيا على مخاطبة الخصوم المنتصرين بلغة تُقرّ بالقوة، مستشهدين بالشعر العربي القديم، ومؤكدين أن مد اليد لطرف ما لا يعني بالضرورة مطالبة الشعب بمحبته أو تبني موقف وجداني تجاهه.

وفي قراءة مغايرة، حاول بعض المغردين تفكيك دلالات الخطاب، معتبرين أن الشرع لم يكن في موقع مجاملة مجانية، بل بعث برسالة رمزية يفهمها بوتين جيدا، مفادها أن الطبيعة والمناخ كان لهما دور حاسم في تاريخ روسيا، وأن لولا ذلك لكان مسار التاريخ مختلفا. أما وصف روسيا بالأرض المباركة، فقد اعتبره هؤلاء تعبيرا دبلوماسيا موفقا في سياق فتح صفحة جديدة وبناء علاقات مختلفة عن الماضي.

على الضفة الأخرى، رأى منتقدون أن كلمات الشرع جاءت في غير موضعها، متسائلين عن معنى وصف روسيا بالأرض المباركة أو الدعاء لجيشها، في وقت لا تزال فيه الذاكرة السورية مثقلة بصور الدمار والقتل الذي ارتبط بالتدخل الروسي. وبينما حاول بعضهم تبرير التصريحات ضمن إطار الواقعية السياسية والدبلوماسية الهادئة، مؤكدين أنها قد تكون ضرورية لإدارة مصالح الدولة، شددوا في الوقت نفسه على أن هذا المنطق ينبغي أن ينسحب أيضا على الداخل السوري.

وأشار هؤلاء إلى أن روسيا لم تكن يوما طرفا محايدا في الصراع السوري، بل لعبت منذ عام 2015 وحتى أواخر 2024 دورا محوريا في تثبيت نظام الأسد، وكان تدخلها العسكري، ولا سيما الجوي، عاملا حاسما في استعادة النظام السابق معظم الجغرافيا السورية، بما رافق ذلك من تهجير وقتل ودمار واسع. وبناء على ذلك، يرى منتقدون أن فتح صفحة تصالح مع موسكو، رغم هذا الإرث الثقيل، يضع القيادة السورية الجديدة أمام تساؤلات أخلاقية وسياسية، أبرزها غياب أي مبرر للاستمرار في احتجاز معتقلين تحت مسمى فلول النظام، معتبرين أنه لا يمكن تبرير القمع في الداخل بذريعة الماضي، في الوقت الذي تُصافَح فيه القوى التي صنعت ذلك الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى