العالم

أوروبا بين تهديدات ترمب لإيران وتصنيف الحرس الثوري

عاد القلق الأوروبي إلى الواجهة مع تصعيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته تجاه إيران، وتلويحه بإمكانية توجيه ضربة عسكرية وشيكة. وفي وقت باتت فيه العلاقات بين أوروبا وواشنطن أقل يقينًا وأكثر توترًا، تحذّر العواصم الأوروبية من أي تغيير حاد في موازين القوى بالشرق الأوسط من شأنه تعميق أزماتها الجيوسياسية.

ورغم حرص الاتحاد الأوروبي على إبقاء مسافة محسوبة من السياسات الأميركية، فقد أنهى انقسامًا داخليًا طويلًا وقرر تصنيف الحرس الثوري الإيراني «منظمة إرهابية». وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد كايا كالاس أن القرار جاء ردًا على «قمع المتظاهرين خلال الاحتجاجات»، بالتوازي مع إضافة 15 مسؤولًا إيرانيًا و6 منظمات إلى قائمة العقوبات، ليصل إجمالي العقوبات الأوروبية إلى 247 شخصية و50 كيانًا بتهم «انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان».

إذعان أوروبي

على مدى أسابيع، ترددت دول أوروبية في تجاوز عتبة الحذر الدبلوماسي خشية تقويض ما تبقى من نفوذها المحدود لدى طهران. غير أن ضغوطًا متزايدة دفعت دولًا متحفظة مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا إلى القبول بالقرار، مقابل موقف أكثر تشددًا قادته ألمانيا، التي رأت أن الوقت حان لإرسال «إشارة صارمة» إلى إيران.

وبررت كالاس هذا التحول بما وصفته بالالتزام بالمبادئ، معتبرة أن أوروبا لا يمكنها تجاهل «الفظاعات ضد المدنيين»، خاصة بعد انكشاف حجم القمع عقب رفع الحظر عن الإنترنت. في المقابل، اعتبر المسؤولون الإيرانيون القرار إعلان عداء صريحًا، وهاجمه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واصفًا إياه بـ«الخطأ الاستراتيجي الفادح» الذي يقوّض جهود خفض التوتر ومنع اندلاع حرب إقليمية.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وصف الموقف الأوروبي بالخطأ الإستراتيجي الفادح (الألمانية)

تصعيد

تخلّت فرنسا عن معارضتها السابقة لتصنيف الحرس الثوري، بعدما كانت تحذّر من تأثير الخطوة على قنوات الاتصال ومصير مواطنيها المحتجزين في إيران. وبرر وزير الخارجية الفرنسي القرار برفض «الصمت عن قمع الاحتجاجات السلمية». كما لحقت إسبانيا وإيطاليا بالركب، مستندتين إلى ما وصفته حكوماتهما بصور «القمع الممنهج» ضد المتظاهرين.

وتنخرط فرنسا وبريطانيا وألمانيا ضمن «الترويكا الأوروبية» التي قادت مفاوضات الملف النووي، لكنها فعّلت قبل أشهر «آلية الزناد» لإعادة العقوبات بسبب ما اعتبرته عدم تعاون إيراني مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فيما تعثرت مساعي التوصل إلى اتفاق جديد. وفي برلين، تصاعدت تصريحات المستشار فريدريش ميرتس التي توقعت سقوط النظام الإيراني، رغم تأكيد حكومته التمسك بالحل السياسي.

AYLESBURY, ENGLAND - SEPTEMBER 18: (L-R) U.S. President Donald Trump and UK Prime Minister Keir Starmer announce an agreement between the two countries as they hold a press conference conference at Chequers at the conclusion of a state visit on September 18, 2025 in Aylesbury, England. This is the final day of President Trump’s second UK state visit, with the previous one taking place in 2019 during his first presidential term. (Photo by Leon Neal/Getty Images)
ستارمر (يمين) تحفظ على إبداء دعم صريح لتوجيه ترمب ضربة عسكرية ضد إيران (غيتي إيميجز)

إحراج ومخاوف

يزيد القرار الأوروبي من إحراج لندن التي لم تُدرج الحرس الثوري بعد على قوائم الإرهاب. وأبقت الحكومة البريطانية الخيار مفتوحًا دون حسم، فيما تحفّظ رئيس الوزراء كير ستارمر على دعم أي ضربة عسكرية ضد إيران، مع تأكيده منع طهران من امتلاك سلاح نووي بالتنسيق مع الحلفاء.

وترى الباحثة في الدبلوماسية الأوروبية بجامعة لندن للاقتصاد فيديريكا بيشي أن غياب رؤية موحدة للتعامل مع إيران هو المعضلة الأبرز، خاصة بعد تلاشي الاتفاق النووي، وتباين مواقف دول الاتحاد حول مستوى التشدد المطلوب. وتضيف أن الأوروبيين يحاولون التحرك ضمن هامش يجنّبهم غضب واشنطن دون الارتهان لرؤيتها أو التخلي عن دور الوساطة.

من جانبه، يشير محلل الشؤون الدفاعية في صحيفة الإيكونوميست شاشانك جوشي إلى أن الطموح الأميركي لتغيير النظام في إيران يثير مخاوف أوروبية وبريطانية، ويحدّ من أي حماسة للمشاركة في عمل عسكري، خصوصًا في ظل انشغال لندن بتعزيز دفاعات أوكرانيا والقلق المتزايد بشأن أمن القطب الشمالي.

وبينما يلوّح ترمب بالتصعيد، يبدو أن أوروبا تجد نفسها عالقة بين الحفاظ على مبادئها، وتجنّب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، ومحاولة إنقاذ دور وساطة يتآكل سريعًا في أزمة تتجاوز قدرتها على التأثير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى