العالم

من يستورد النفط الفنزويلي من إدارة ترمب؟

يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى دفع فنزويلا لزيادة إنتاجها النفطي وتسويقه في الأسواق العالمية، رغم التحديات الكبيرة التي تحيط بهذا المسار، وفي مقدمتها التعقيدات السياسية المرتبطة ببيع النفط الفنزويلي، وطبيعته الثقيلة التي تتطلب تقنيات تكرير خاصة، إضافة إلى حجم الاستثمارات الضخم المطلوب لإعادة تأهيل قطاع النفط في البلاد. كما تشترط كبرى شركات النفط الأمريكية إجراء إصلاحات قانونية وإدارية واسعة قبل العودة للعمل في فنزويلا.

وفي هذا السياق، أعلن ترمب من على متن طائرة الرئاسة “إير فورس ون” أثناء توجهه من واشنطن إلى فلوريدا، مساء السبت، أن الهند ستتجه إلى شراء النفط الفنزويلي بدلا من النفط الإيراني.

وقال ترمب إن الولايات المتحدة توصلت بالفعل إلى تفاهم بهذا الشأن، مضيفا أن الأمر لا يزال في إطار فكرة الاتفاق التي يجري العمل على بلورتها.

وجاءت تصريحات ترمب بعد يوم واحد من إبلاغ واشنطن نيودلهي بإمكانية استئناف شراء النفط الفنزويلي قريبا، في خطوة تهدف إلى تعويض جزء من واردات الهند من النفط الروسي، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن ثلاثة مصادر مطلعة.

ولا تستورد الهند كميات كبيرة من النفط الإيراني بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، لكنها تحولت خلال الفترة الماضية إلى أحد أبرز المشترين للنفط الروسي، مستفيدة من انخفاض أسعاره بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وفرض عقوبات غربية واسعة على موسكو.

وكان ترمب قد فرض في مارس آذار من العام الماضي رسوما جمركية بنسبة 25% على الدول التي تستورد النفط الفنزويلي، بما في ذلك الهند. وفي أغسطس آب، رفع هذه الرسوم على الواردات الهندية إلى 50% في محاولة للضغط على نيودلهي لوقف مشترياتها من النفط الروسي.

إلا أن ترمب أعلن، الاثنين، التوصل إلى اتفاق تجاري جديد مع الهند يقضي بخفض الرسوم الجمركية الأمريكية على وارداتها من 50% إلى 18%، مقابل تخفيف القيود التجارية الهندية، ووقف استيراد النفط الروسي، وزيادة مشترياتها من النفط الأمريكي، وربما من النفط الفنزويلي أيضا.

تُعد الهند من أهم الأسواق المحتملة لتسويق النفط الفنزويلي، نظرا لدورها التاريخي بوصفها أحد أكبر مستوردي هذا الخام قبل فرض العقوبات الأمريكية. ويوضح زياد الهاشمي خبير الاقتصاد الدولي أن نيودلهي كانت تستورد ما بين 250 ألفا و300 ألف برميل يوميا من النفط الفنزويلي، وارتفعت الكميات في بعض الفترات إلى قرابة 400 ألف برميل يوميا، ما جعلها شريكا رئيسيا لكراكاس حتى عام 2019.

ويشير الهاشمي إلى أن أهمية السوق الهندية لا تقتصر على حجم الاستيراد فقط، بل تعود أيضا إلى امتلاك الهند مصافي تكرير قادرة على معالجة النفط الفنزويلي الثقيل، الذي يتطلب تقنيات خاصة بسبب ارتفاع لزوجته. ويرى أن استئناف تدفق النفط الفنزويلي إلى الهند قد يفتح مستقبلا الباب أمام زيادة الاستثمارات الهندية في هذا القطاع، والتوسع في مصافي تكرير النفط الثقيل داخل البلاد.

وفي موازاة ذلك، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انفتاحه على مشاركة الصين في صفقات النفط الفنزويلي، قائلا إن بكين مرحب بها لعقد اتفاقات كبيرة في هذا المجال. وكانت الصين أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي خلال فترة حكم نيكولاس مادورو، وهو ما أثار توترا دبلوماسيا بعد اعتقاله في عملية عسكرية أمريكية مطلع يناير الماضي، الأمر الذي قوبل باستنكار رسمي من الخارجية الصينية.

وسبق أن نقلت رويترز عن مسؤول أمريكي أن واشنطن ستسمح للصين بشراء النفط الفنزويلي، ولكن بشروط مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في مرحلة ما قبل العقوبات، خصوصا من حيث الأسعار. وفي هذا السياق، يؤكد خبير النفط ممدوح سلامة أن الصين تمتلك التكنولوجيا اللازمة لتكرير النفط الفنزويلي شديد الثقل، مشيرا إلى أن بكين كانت تحصل على هذا الخام مقابل صادرات متنوعة إلى فنزويلا، وهو ما يفسر ترحيب ترمب بالاستثمارات الصينية في هذا القطاع.

وعلى صعيد الأسواق الكبرى، يرى سلامة أن الولايات المتحدة تمثل بدورها سوقا رئيسية للنفط الفنزويلي، إذ تمتلك عددا كبيرا من المصافي المجهزة لتكرير هذا النوع من الخام، وقد اعتادت على استيراده منذ أكثر من أربعة عقود. ويضيف أن القرب الجغرافي بين البلدين يقلل من تكاليف النقل، ويعزز جاذبية النفط الفنزويلي للمصافي الأمريكية، خاصة أن خصائصه تشبه إلى حد كبير النفط الكندي الذي تعالجه هذه المصافي بالفعل.

ويقدّر سلامة أن إعادة إحياء صناعة النفط الفنزويلية المنهارة تتطلب استثمارات لا تقل عن 100 مليار دولار، وقد تمتد فترة التعافي ما بين 10 و15 عاما لرفع الإنتاج مجددا إلى مستوى 3 ملايين برميل يوميا. وحتى تحقيق هذا الهدف، تبقى الهند والصين والولايات المتحدة الأسواق الأهم لتصريف النفط الفنزويلي.

وفي ما يتعلق بخطط إدارة ترمب، أكد الرئيس الأمريكي في أكثر من مناسبة أن واشنطن باتت تمارس دورا محوريا في إدارة قطاع النفط الفنزويلي، مشيرا إلى تقاسم العائدات مع كراكاس. كما صرح وزير الطاقة الأمريكي بأن الولايات المتحدة ستشرف مستقبلا على مبيعات النفط الفنزويلي. ووفق تقرير نشرته بلومبيرغ، فإن طموح ترمب لرفع الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة يتطلب استثمارات واسعة من شركات النفط الأمريكية، رغم أن العديد من أصولها جرى تأميمها في عهد الرئيس الراحل هوغو شافيز.

وتسعى واشنطن من خلال هذه السياسة إلى تحقيق عدة أهداف، من بينها خفض أسعار الوقود في السوق الأمريكية، وتقليص نفوذ الصين وروسيا في فنزويلا، إضافة إلى تحقيق أرباح كبيرة للشركات الأمريكية العاملة في هذا القطاع. وتشير بلومبيرغ إلى أن السلطات الفنزويلية لا تملك حاليا خيارات واسعة لتسويق نفطها خارج المصافي الأمريكية، في ظل القيود البحرية المفروضة على حركة ناقلات النفط.

أما من حيث كلفة إعادة بناء القطاع النفطي، فقد انخفض إنتاج فنزويلا بأكثر من 70% مقارنة بنهاية التسعينات، حين تجاوز 3.2 ملايين برميل يوميا، في حين يقل الإنتاج الحالي عن مليون برميل يوميا. وبحسب دراسة صادرة عن Rystad Energy، فإن العودة إلى مستوى إنتاج يقارب 3 ملايين برميل يوميا تتطلب استثمارات تصل إلى 183 مليار دولار.

وتتفاقم التحديات بسبب طبيعة النفط الفنزويلي الثقيل والغني بالكبريت، ما يفرض تكاليف إضافية على عمليات الاستخراج والتكرير، ويستدعي استخدام مواد مخففة مثل “النفثا” لتسهيل نقله ومعالجته، بخلاف النفط الخفيف الأقل كلفة.

وفي هذا الإطار، تشدد شركات النفط الأمريكية الكبرى على ضرورة إدخال إصلاحات قانونية وإدارية واسعة في فنزويلا لضمان حماية الاستثمارات الأجنبية. وقد تعهدت شركة شيفرون بزيادة إنتاجها الحالي بنسبة 50% خلال العامين المقبلين، مستفيدة من إعفاء خاص من العقوبات، في حين تمثل عملياتها نحو ربع الإنتاج الفنزويلي. غير أن رئيسها التنفيذي طالب بإصلاحات سياسية وقانونية أعمق قبل ضخ استثمارات إضافية.

من جهتها، أكدت شركة إكسون، التي تمت مصادرة أصولها في فنزويلا سابقا، أن العودة إلى الاستثمار تتطلب تغييرات جوهرية في بيئة العمل والضمانات القانونية، ما يعكس حجم التعقيدات التي لا تزال تواجه مستقبل النفط الفنزويلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى