تركيا

الأكراد في تركيا… صراع السرديات بين الدولة والاعتبارات الأخلاقية

تناول الكاتب والسياسي التركي ياسين أقطاي في مقالٍ نشره موقع الجزيرة نت الجدل المتجدد داخل تركيا حول سؤال: هل يمكن للمسلم أن يكون عنصريًا؟ وقد انطلق هذا النقاش من تصريحات حسين تشيليك التي ربط فيها بين القيم الإسلامية ومواقف بعض المتدينين من معاناة الأكراد، ما فتح بابًا واسعًا للنقاش الأخلاقي والسياسي في آنٍ واحد.

يرى أقطاي أن السؤال في ظاهره لاهوتي، لكنه سرعان ما يتجاوز حدوده الدينية ليصبح جزءًا من النقاش الأوسع حول القضية الكردية وسياسات الهوية في تركيا، حيث يُنظر إلى التدين عادة بوصفه ضمانة أخلاقية ضد النزعات العنصرية. وعندما يُعتقد أن هذه الضمانة قد تراجعت، يتصاعد الجدل وتُطرح اتهامات واسعة.

فالتصريحات التي أطلقها حسين تشيليك – رغم انسجامها مع المبادئ الإسلامية الرافضة للتفوق العرقي – أثارت خلافًا بسبب قوله إن الأوساط الإسلامية والمتدينة التزمت الصمت تجاه ما تعرض له الأكراد. وبحسب الكاتب، فإن هذه العبارة أعادت إنتاج خطاب قديم يتهم المتدينين بازدواجية المعايير، إذ يُقال إنهم يتفاعلون مع قضايا المسلمين خارج البلاد أكثر من تفاعلهم مع آلام الأكراد داخلها.

ويؤكد أقطاي أن النقاش العادل يقتضي أمرين متلازمين: الاعتراف بحجم الانتهاكات التي تعرض لها الأكراد، وفي الوقت نفسه رفض تحويل هذه الحقيقة إلى أداة لإدانة التيار الديني بأكمله. فالتعميم، في رأيه، يلغي التعددية داخل المجال الإسلامي ويحوّل النقد المشروع إلى حكم جماعي.

ويشير الكاتب إلى أن مواقف الإسلاميين في تركيا لم تكن موحدة تجاه المسألة الكردية؛ فبينما تأثرت بعض الأوساط بلغة قومية، برزت في المقابل دوائر إسلامية حقوقية دافعت منذ تسعينيات القرن الماضي عن ضحايا الانتهاكات، وانتقدت سياسات الدولة وناقشت القضية بعمق فكري عبر المنابر الإعلامية والثقافية.

ويبرز أقطاي أن الرؤية الإسلامية تقوم على رفض الظلم الواقع على الأكراد، لكنها في الوقت نفسه لا ترى في القومية المضادة حلاً دائمًا. ولذلك يتعرض الإسلاميون لانتقادات مزدوجة؛ فالقوميون الأتراك يتهمونهم بمحاباة الأكراد، بينما ترى بعض التيارات القومية الكردية أن مواقفهم غير كافية. غير أن معيارهم الأساسي – كما يوضح الكاتب – هو ترسيخ المواطنة المتساوية وتعزيز العدل بعيدًا عن تحويل الهوية العرقية إلى أداة صراع سياسي.

ويستعرض المقال تجربة حزب العدالة والتنمية باعتبارها نموذجًا عمليًا لتحويل هذه الرؤية إلى سياسات دولة، حيث شهدت تلك المرحلة توسعًا في الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، وفتح المجال أمام الحوار السياسي فيما عُرف بعملية السلام. ويؤكد الكاتب أن الإصلاحات السياسية، لا العمل المسلح، كانت المسار الأوسع نحو معالجة القضية.

وفي مقارنة مع الحالة السورية، يبيّن أقطاي أن النموذج القائم على البنى المسلحة والدعم الخارجي أدى إلى تعقيدات إقليمية وديمغرافية، بينما يطرح التيار المتدين هناك رؤية بديلة تقوم على الحفاظ على وحدة البلاد، وترسيخ المواطنة المتساوية، والاعتراف بالحقوق الثقافية ضمن إطار الدولة، باعتبار ذلك خيارًا أكثر قابلية للاستدامة.

ويخلص الكاتب إلى أن جوهر النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى صراع هويات قائم على الضغينة، بل إلى بحث جاد عن العدالة. فالاعتراف بالظلم واجب أخلاقي، لكن تحويله إلى خطاب إدانة جماعية للمتدينين يعمّق الاستقطاب بدل أن يحل المشكلة.

وفي خاتمة مقاله، يستحضر أقطاي مقولة الإمام علي رضي الله عنه: «كلمة حق يُراد بها باطل»، ليؤكد أن إدانة العنصرية من حيث المبدأ أمر صحيح، غير أن التعميم قد يطمس التنوع داخل التيار الإسلامي ويتجاهل تجارب الإصلاح التي سعت إلى توسيع الحقوق. ويرى أن الحلول المستدامة لا تأتي من تأجيج الهويات أو منطق السلاح، بل من بناء نظام سياسي عادل يقوم على المواطنة المتساوية ويعزز العيش المشترك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى