العالم

احتجاجات في إيران ضد الاتفاق المرتقب مع واشنطن

شهدت عدة مدن إيرانية خلال اليومين الماضيين تظاهرات احتجاجية رفضًا للاتفاق المرتقب بين طهران وواشنطن، في مشهد غير مألوف داخل البلاد التي تفرض قيودًا مشددة على التجمعات العامة. ورفع المحتجون شعارات تتهم الفريق المفاوض بالتفريط بالمصالح الوطنية، رغم عدم الإعلان رسميًا عن تفاصيل الاتفاق حتى الآن.

وتثير هذه الاحتجاجات تساؤلات بشأن دوافعها الحقيقية، وما إذا كانت تعبر عن مخاوف شعبية حقيقية تجاه مستقبل البلاد، أم أنها انعكاس لصراع سياسي متصاعد بين التيارات المختلفة داخل النظام الإيراني.

مخاوف من تكرار تجربة الاتفاق النووي

عدد من المشاركين في الاحتجاجات عبّروا عن قلقهم من غياب الشفافية بشأن بنود الاتفاق. وقال الناشط الثقافي حسن إن المحتجين يطالبون الحكومة بتوضيح تفاصيل التفاهم المرتقب، معتبرًا أن التجارب السابقة، وعلى رأسها الاتفاق النووي عام 2015، عززت حالة عدم الثقة تجاه المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وأضاف أن الشروط التي تحدثت عنها القيادة الإيرانية لإنهاء الأزمة، مثل مستقبل مضيق هرمز والتخصيب النووي وتعويضات الحرب، لم تتضح حتى الآن ضمن أي صيغة معلنة للاتفاق.

من جهتها، اعتبرت السيدة مرضية أن التفاوض مع الولايات المتحدة في ظل التوترات الأخيرة يمثل تنازلًا غير مبرر، متسائلة عن الضمانات التي تحول دون تكرار الأزمات والصراعات مستقبلاً.

وردد المتظاهرون هتافات اتهمت عددا من المسؤولين بالتفريط في مصالح إيران
المتظاهرون رددوا هتافات اتهمت عددا من المسؤولين بالتفريط في مصالح إيران (الجزيرة)

أما رجل الدين الشاب جليل فرأى أن المفاوضات الحالية تعيد إلى الأذهان أجواء الاتفاق النووي السابق، مشيرًا إلى أن الوعود الأمريكية السابقة لم تؤدِّ إلى النتائج التي كانت تتطلع إليها طهران، ما يعزز الشكوك بشأن جدوى أي اتفاق جديد.

انتقادات للفريق المفاوض

وتركز جانب من الاحتجاجات على انتقاد المسؤولين عن الملف التفاوضي، خاصة وزير الخارجية عباس عراقجي، حيث يرى المحتجون أن الفريق المفاوض لم يشرح للرأي العام طبيعة التفاهمات المطروحة أو الضمانات التي ستحصل عليها إيران مقابل أي تنازلات محتملة.

ويخشى المعارضون للاتفاق من أن يؤدي إلى المساس بملفات يعتبرونها استراتيجية، مثل البرنامج النووي أو القدرات الدفاعية والصاروخية، إضافة إلى مستقبل النفوذ الإقليمي الإيراني.

فشل في إدارة الرأي العام

المحلل السياسي مهدي خورسند اعتبر أن السبب الرئيسي وراء الاحتجاجات يعود إلى غياب رواية رسمية واضحة حول الاتفاق المرتقب، ما سمح بانتشار التكهنات والتسريبات التي غذّت مخاوف الشارع.

وأوضح أن المحتجين يمثلون شريحة واسعة من المؤيدين التقليديين للنظام، الذين يشعرون بأن التضحيات التي قُدمت خلال السنوات الماضية قد تتعرض للتبديد عبر اتفاق لا تزال تفاصيله غامضة.

وأضاف أن المطالبة بالشفافية لا تعني معارضة النظام بقدر ما تعكس رغبة في ضمان عدم المساس بالثوابت التي تعتبرها هذه الشريحة جزءًا من الأمن القومي الإيراني.

صراع داخل النخبة السياسية

في المقابل، يرى الأكاديمي والمحلل السياسي مهدي عرب صادق أن الاحتجاجات لا تعكس بالضرورة موقفًا شعبيًا عامًا، بل ترتبط بصراع سياسي داخلي بين تيارات متنافسة داخل النخبة الحاكمة.

وأوضح أن بعض القوى السياسية تعارض أي انفتاح أو تسوية مع الولايات المتحدة، وتعمل على توظيف الشارع للضغط على الفريق المفاوض وإضعاف التيار الذي يدعو إلى اعتماد نهج أكثر براغماتية في السياسة الخارجية.

وأشار إلى أن استهداف وزير الخارجية عباس عراقجي في الهتافات يعكس الاعتراض على النهج الدبلوماسي الذي يمثله أكثر من كونه اعتراضًا على شخصه، باعتباره أحد أبرز رموز التفاوض والانفتاح السياسي.

مستقبل الاتفاق

وبينما تتواصل الاحتجاجات وتتزايد التساؤلات حول بنود الاتفاق، يبقى مستقبل التفاهم المرتقب رهين قدرة السلطات الإيرانية على احتواء المخاوف الداخلية وتقديم ضمانات للرأي العام بشأن الملفات الحساسة.

ويرى مراقبون أن التحدي الأكبر أمام الاتفاق لا يقتصر على التفاهم مع واشنطن، بل يمتد إلى كيفية التعامل مع المعارضة الداخلية التي قد تشكل عقبة حقيقية أمام تنفيذه، كما حدث مع اتفاقات سابقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى