تحركات ترامب الدولية تعمّق الانقسام داخل الولايات المتحدة
تكشف تطورات السياسة الخارجية الأميركية في مستهل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب عن مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب وعدم اليقين في علاقات واشنطن الدولية، حيث لم تعد التحركات الخارجية مجرد أدوات تقليدية لإدارة النفوذ، بل تحولت إلى عنصر محوري في إعادة تشكيل صورة القيادة الأميركية على المستويين الداخلي والخارجي. فقد اتسمت القرارات والخطوات الأولى لهذه الولاية بنزعة صدامية واضحة، أعادت طرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الدور الأميركي في النظام الدولي، وحدود التزامه بالقواعد والمؤسسات التي ساهم هو نفسه في بنائها بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا السياق، بدت السياسة الخارجية أكثر ارتباطاً بالاعتبارات الداخلية، سواء من حيث مخاطبة القاعدة الانتخابية أو تكريس صورة “الرئيس القوي” القادر على فرض إرادته دون قيود، حتى لو جاء ذلك على حساب التحالفات التقليدية أو الأعراف الدبلوماسية الراسخة. وقد انعكس هذا التوجه في تصاعد التوتر مع شركاء تاريخيين، وتراجع منسوب الثقة في التزامات واشنطن، مقابل تبني مقاربة أحادية تقوم على مبدأ المصالح المباشرة والقوة الصلبة.
كما أظهرت هذه المرحلة ميلاً متزايداً لاستخدام السياسة الخارجية كأداة لإعادة تعريف مكانة الولايات المتحدة في عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، مع صعود قوى دولية منافسة وتراجع القدرة الأميركية على فرض الهيمنة المطلقة. وبدلاً من العمل على إدارة هذا التحول عبر الدبلوماسية والتعددية، اتجهت الإدارة إلى سياسات أربكت الحلفاء قبل الخصوم، وعمّقت حالة الاستقطاب الدولي.
وبذلك، لا تعكس تحركات واشنطن في هذه المرحلة مجرد تغيير في الأسلوب، بل تشير إلى تحوّل أعمق في الفلسفة الحاكمة للسياسة الخارجية الأميركية، تحوّل يضع العلاقات الدولية في حالة سيولة دائمة، ويجعل مستقبل النظام العالمي أكثر هشاشة، في ظل غياب رؤية واضحة توازن بين المصالح الوطنية الأميركية ومتطلبات الاستقرار الدولي.