الإنجيلية الأمريكية كما يراها السفير هوكابي: قراءة تحليلية
صرّح السفير الأمريكي لدى تل أبيب، مايك هوكابي، وهو قسّ سابق، في مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، بأن لإسرائيل حقًا في التوسع ضمن المنطقة الممتدة من النيل إلى الفرات، وهي المنطقة التي يُشار إليها في بعض التفسيرات الدينية اليهودية بـ”الأراضي الموعودة”. ووفق هذا الطرح، فإن لإسرائيل – إن رغبت – أن تفرض سيطرتها على دول ومناطق مجاورة، في سياق رؤية يعتبرها أصحابها جزءًا من وعد ديني وتاريخي.
صدور مثل هذه التصريحات عن سفير الولايات المتحدة يعكس، في نظر كثيرين، مستوى الدعم الذي تحظى به إسرائيل داخل دوائر مؤثرة في واشنطن. ويتعزز هذا الانطباع في ظل صعود شخصيات داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب تُعرف بقربها من التيار الصهيوني المسيحي، وهو تيار يضع دعم إسرائيل في صلب أولوياته السياسية والدينية. ويرى منتقدو هذا التوجه أن النفوذ الإسرائيلي في الولايات المتحدة بات عنصرًا حاضرًا بقوة في ملفات الشرق الأوسط، خصوصًا في ما يتعلق بإيران والقضية الفلسطينية.
يشكّل الإنجيليون القاعدة الأوسع للصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة. ويؤمن كثير منهم بأن قيام دولة إسرائيل شرطٌ لعودة المسيح في آخر الزمان. ويعود انتشار هذا الفهم إلى مطلع القرن العشرين، مع صدور “الإنجيل المرجعي” الذي أعدّه القس سايروس سكوفيلد عام 1909، بدعم من المحامي صموئيل أونترماير. وقد أسهم هذا الإصدار في ترسيخ قراءة نبوئية تربط بين العقيدة المسيحية والدعم السياسي لإسرائيل، حتى أصبح الدفاع عنها – في نظر بعض الإنجيليين – واجبًا دينيًا.
غير أن التطورات الأخيرة في غزة أعادت طرح أسئلة داخل بعض الأوساط الإنجيلية حول طبيعة هذا الدعم وحدوده. فمشاهد الحرب والضحايا دفعت فئة من الإنجيليين إلى مراجعة تصوراتهم: هل يتوافق الدعم غير المشروط لدولة متهمة بارتكاب انتهاكات مع القيم المسيحية؟ وهل يمكن ربط الإيمان الديني بموقف سياسي محدد دون مساءلة أخلاقية؟ هذه الأسئلة أدت إلى بروز أصوات إنجيلية ناقدة، وإن ظلت أقل تأثيرًا مقارنة بالتيار التقليدي الداعم لإسرائيل.
في المقابل، لا يزال قطاع واسع من الإنجيليين متمسكًا برؤيته الأخروية، ويرى في دعم إسرائيل جزءًا من إيمانه الديني. كما أن بعض المراقبين يشيرون إلى تداخل الاعتبارات الدينية مع المصالح السياسية؛ إذ إن التحالف مع اللوبيات المؤيدة لإسرائيل – مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية إيباك – يمنح السياسيين دعمًا انتخابيًا وتمويليًا مهمًا. ويُذكر اسم هوكابي ضمن الشخصيات التي حظيت بدعم من هذه الدوائر.
تدور في الولايات المتحدة اليوم نقاشات أوسع حول حدود النفوذ السياسي، ودور جماعات الضغط، وتأثير القناعات الدينية في رسم السياسات الخارجية. كما أعادت قضايا مثيرة للجدل – مثل قضية جيفري إبستين – تغذية الشكوك لدى بعض شرائح المجتمع بشأن طبيعة العلاقات بين المال والسياسة والإعلام، وإن بقيت كثير من الادعاءات المتداولة في هذا السياق محل جدل واسع.
ويرى بعض المحللين أن أي تغير حقيقي في الموقف الأمريكي من إسرائيل لن يتحقق إلا عبر صناديق الاقتراع، إذ تمثل الانتخابات الآلية الأبرز للتأثير في توجهات السياسة الخارجية. ومع أن التيار الإنجيلي المؤيد لإسرائيل لا يزال من أكثر القواعد الشعبية تنظيمًا وتأثيرًا، فإن التحولات داخل المجتمع الأمريكي – خاصة بين الأجيال الشابة – قد تعيد تشكيل المشهد مستقبلًا.
في المحصلة، يشهد الشرق الأوسط تحولات متسارعة، لكن هذه التحولات لم تعد مقتصرة على المنطقة وحدها، بل امتد أثرها إلى الداخل الأمريكي، حيث تتقاطع الاعتبارات الدينية والسياسية والاستراتيجية في نقاش متجدد حول معنى التحالفات وحدودها. ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه المراجعات ستفضي إلى تغيرات جوهرية في السياسات، أم أن التوازنات القائمة ستستمر بصيغتها الحالية.