حياتنا

حين يتقدّم الوهم على العلم.. مخاطر النصائح الطبية الرقمية

في ثلاثين دقيقة فقط من التصفح على مواقع التواصل الاجتماعي، تتكشف أمام المتابع ظاهرة مقلقة آخذة في الاتساع: عشرات الأشخاص يقدمون أنفسهم بوصفهم خبراء في الصحة والتغذية، يشخصون الأمراض في دقائق، ويتحدثون بثقة لافتة عن مكملات غذائية وأنظمة وبرامج خاصة، يزعمون أنها قادرة على شفاء أمراض معقدة وخطيرة مثل السرطان والسكري وأمراض المناعة الذاتية.

هذه الادعاءات لا تُطرح بحذر علمي أو بلغة مشروطة، بل تُقدَّم بصيغة جازمة تُغري المرضى وتلامس يأسهم، في فضاء رقمي يكافئ الجرأة والمبالغة أكثر مما يكافئ الدقة والمعرفة. ويذهب كثيرون ممن يمكن وصفهم بـ“أطباء أو علماء مواقع التواصل الاجتماعي” إلى حد الادعاء بأن أمراض المناعة الذاتية المزمنة يمكن عكس مسارها ببساطة عبر الامتناع عن شرب الحليب، أو التوقف عن تناول الخبز، أو استبعاد مجموعات غذائية كاملة، وكأن المرض اختزال لسلوك واحد أو عادة غذائية بعينها.

وفي المقابل، يسعى آخرون إلى إضفاء مسحة علمية زائفة على خطابهم، فيستعرضون تفسيرات بيولوجية معقدة بلغة منمقة، ممزوجة ببعض المصطلحات العلمية أو التقنية، في محاولة لإيهام المتابعين بالمعرفة. غير أن هذا القناع سرعان ما يسقط عند التدقيق، إذ يتبين أنهم بعيدون عن الفهم العلمي الحقيقي، ويخلطون بين المفاهيم أكثر مما يقدمون علما أو توضيحا.

وما يجمع بين هذا الكم الهائل من المقاطع ليس الدليل أو تحمّل المسؤولية، بل اليقين المطلق، وما يحمله من أثر خطير حين يُختزل الطب في مجرد محتوى قابل للمشاهدة والمشاركة. فخطورة النصائح الطبية على مواقع التواصل لم تعد تقتصر على كونها سطحية أو غير دقيقة، بل تتجلى في خلق إحساس زائف بالأمان لدى فئات واسعة من الناس، خصوصا من يعانون أمراضا صامتة أو في مراحلها الأولى. إذ يُقنَع المريض بأن ما يشعر به بسيط أو عابر، وأنه قادر على السيطرة عليه بنصيحة عامة أو تجربة شخصية، بينما يستمر المرض في التقدم داخل الجسد بعيدا عن أي تشخيص علمي أو متابعة طبية مسؤولة.

Doctor or psychiatrist shakes hands encouragement the patient and care having a consultation on diagnostic examination on male disease or mental illness in a clinic or hospital mental health service
الطب القائم على التشخيص والمسؤولية هو الذي يمكن أن يحفظ صحة الإنسان (شترستوك)

في هذا الفضاء الرقمي، تُختزل الأمراض في أعراض، وتُختصر الأعراض في عناوين جذابة، ويُختزل الطب كله في منشورات قصيرة، بينما الحقيقة الطبية أكثر تعقيدا وخطورة. فالعرض الواحد قد يكون انعكاسا لعشرات الاحتمالات المرضية المختلفة في أسبابها ومسارها ونتائجها، ما يجعل التشخيص عملية منهجية لا يمكن تعويضها بالبحث الذاتي أو الاطمئنان الجماعي الذي تصنعه التعليقات والمشاهدات.

وتبرز خطورة هذا المنطق بوضوح في الأمراض التي تتقدم بصمت، مثل السرطان والكبد الدهني وأمراض التمثيل الغذائي واضطرابات الغدد الصماء. ففي هذه الحالات، لا يكمن الخطر في الألم الآني أو التعب المؤقت، بل في ضياع الوقت. فكل تأخير في التشخيص قد يعني الانتقال من مرحلة قابلة للعلاج إلى مرحلة أكثر تعقيدا، أو إلى مرحلة لا يكون فيها التدخل ممكنا إلا لتخفيف الأضرار.

في السرطان، على سبيل المثال، لا يتمثل الخطر الأكبر في تناول علاج خاطئ فقط، بل في الإصغاء إلى خطاب يهوّن من الأعراض، أو يربطها بالتوتر ونمط الحياة، أو يعد بحلول “طبيعية” دون فحوصات. فالوقت في علم الأورام عامل حاسم، تُقاس فيه فرص الشفاء بالأشهر والأسابيع، وقد يتحول فيه التأجيل إلى حكم غير معلن على مستقبل المريض.

وينطبق الأمر ذاته على مرض الكبد الدهني، الذي يُقدَّم في الخطاب الرقمي بوصفه حالة بسيطة تُحل بحمية واحدة أو مكمل “منقٍّ للكبد”، في حين أن هذا المرض، إذا لم يُشخَّص بدقة ويُتابَع طبيا، قد يتدرج بصمت من تراكم دهني إلى التهاب، ثم إلى تليّف، ثم إلى فشل كبدي أو سرطان كبد. وهي مراحل لا توقفها الوصفات العامة ولا تعالجها النصائح العابرة، بل تتطلب متابعة دقيقة وتقييما مستمرا للمخاطر.

وتتضاعف الكارثة حين يُشجَّع المرضى، صراحة أو ضمنا، على إيقاف العلاجات الموصوفة أو استبدالها بمكملات أو خلطات عشبية غير خاضعة لأي رقابة علمية. فهذه المواد لا تُعرف آثارها السمية، ولا تداخلاتها الدوائية، ولا تأثيرها طويل المدى على الكبد والكلى، في وقت تسجل فيه المستشفيات حالات متزايدة من التسمم الكبدي والفشل الكلوي نتيجة هذا النوع من “العلاج الذاتي” الذي يُسوَّق على أنه طبيعي وآمن.

أما الاضطرابات الهرمونية وأمراض التمثيل الغذائي، فهي من أكثر الحالات تضررا من النصائح العامة، لأن العبث بتوازنات دقيقة داخل الجسم دون تشخيص وتحليل ومتابعة قد يقود إلى اختلالات يصعب تصحيحها لاحقا. إذ قد تختفي الأعراض مؤقتا بينما تتعمق المشكلة على المستوى البيولوجي، ما يمنح إحساسا خادعا بالتحسن، لكنه يراكم الخطر على المدى المتوسط والبعيد.

إن المشكلة الجوهرية في النصائح الطبية على مواقع التواصل ليست في بساطتها فقط، بل في أنها تجرّد الطب من عناصره الأساسية: الزمن، والتقييم المتكرر، وتحمل المسؤولية. فالمرض لا يتوقف عن التقدم لأن منشورا طمأن المريض، والخلايا لا تنتظر انتهاء “تجربة صحية”، والجسد لا يعترف بالخوارزميات ولا بعدد المتابعين.

وفي المقابل، يبقى الفرق جوهريا بين الطب القائم على التشخيص والمسؤولية، وبين محتوى صحي يُنتَج للاستهلاك السريع. فالطبيب يُحاسَب على قراره، ويتابع نتائجه، ويعدّل مساره عند الخطأ، بينما يختفي صناع النصائح الرقمية عند أول فشل، تاركين المريض يواجه وحده عواقب قرار لم يكن يملك أدوات تقييمه.

ختاما، الصحة ليست محتوى، والمرض ليس تجربة شخصية قابلة للتعميم، والعلاج ليس رأيا أو قناعة. وأخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يؤجل التشخيص باسم الاطمئنان، أو يستبدل المتابعة الطبية بوهم السيطرة الذاتية. فكثير من الأمراض لا تعاقب فورا، بل تنتظر بصبر حتى يصبح الثمن مضاعفا، والعلاج أكثر قسوة، والنتائج أقل رحمة. وفي الطب، ليست كل الأخطاء قابلة للإصلاح، ولا كل التأخيرات قابلة للتدارك، ولهذا فإن الثقة العمياء في “النصائح الطبية” على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا في الأمراض الصامتة والمتقدمة، ليست مجرد سلوك خاطئ، بل مخاطرة حقيقية قد لا تمنح فرصة ثانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى