التصعيد في الشرق الأوسط واختبار التوازن في سياسة أردوغان
في الفترة الأخيرة، برزت انتقادات لطرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القائل إن “الدفاع عن الأناضول يبدأ من غزة”. غير أن هذه الانتقادات بدت متناقضة في كثير من الأحيان، إذ يردد بعض أصحابها خطاب تل أبيب حول ما يسمى “العثمانية الجديدة”، ويطالبون تركيا بالابتعاد عن صراعات الشرق الأوسط التي تعيشها إسرائيل، معتبرين أي موقف داعم للمنطقة بمثابة دعوة للحرب.
ويتساءل هؤلاء: لماذا لا تقول تركيا للولايات المتحدة “توقف”؟ ولماذا لا يبادر أردوغان إلى قطع علاقته مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب؟ بل إن بعضهم ذهب إلى حد التحذير من سيناريوهات مثل احتمال سقوط قنبلة على القاعدة التركية في قطر، في محاولة لتصوير تركيا كهدف مباشر في الصراع.
وفي الوقت ذاته، يردد البعض اليوم تحذيرات مفادها أن “الدور قد يأتي على تركيا بعد إيران”، رغم أن بعض هؤلاء أنفسهم كانوا في السابق يطالبون علناً بتدخل بريطانيا والولايات المتحدة في الشؤون الداخلية التركية.
ومن اللافت أن بعض الأصوات التي تعارض اليوم السياسات الحالية هي نفسها التي صوتت في السابق ضد القرارات البرلمانية التي تسمح للجيش التركي بتنفيذ عمليات عسكرية عبر الحدود ضد تنظيم PKK، لكنها اليوم تتحدث بلغة تصعيدية توحي وكأنها تدفع نحو مواجهة مع الولايات المتحدة.
ويرى مراقبون أن هذه المواقف قد تسهم في تأجيج التوترات التي تسعى إسرائيل إلى توسيعها لتشمل المنطقة وربما العالم، كما أنها تشكل ضغطاً سياسياً على أردوغان في الداخل. ويقارن البعض هذه الضغوط بما تمارسه جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة لدفع ترامب نحو اتخاذ موقف أكثر تشدداً ضد إيران.
ومع ذلك، يشير أنصار الرئيس التركي إلى أن أردوغان لا ينتمي إلى فئة القادة الذين يمكن إخضاعهم للضغوط أو الابتزاز السياسي. ويستشهد بعضهم بتصريحات لشخصيات مقربة من حركة “ماغا” المؤيدة لترامب، مثل الإعلامي تاكر كارلسون، الذي قال إن أردوغان “من القادة القلائل الذين لا تستطيع إسرائيل التأثير عليهم”.
ويؤكد هؤلاء أن سياسة التوازن التي يتبعها أردوغان، والتي تهدف إلى حماية تركيا من الانجرار إلى الحرب رغم الضغوط والاستفزازات الداخلية والخارجية، تمثل الخيار الأكثر واقعية للحفاظ على استقرار البلاد. ويرون أن التاريخ قد يمنح هذه السياسة تقديراً أكبر مع مرور الوقت.
ترامب ونتنياهو
في المقابل، يرى بعض المحللين أن ترامب ارتكب خطأ سياسياً عندما رفض مواجهة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما قد تكون له تداعيات على موقعه السياسي قبيل الانتخابات النصفية.
وتشير المحللة الأمريكية آنا كاسباريان إلى تساؤلات يطرحها بعض الناخبين في الولايات المتحدة، قائلة إن كثيرين يتساءلون:
“جنودنا موجودون في إسرائيل لحمايتها، لكن هل تتحمل إسرائيل تكاليف انتشار قواتنا؟ هل تدفع جزءاً من تريليون دولار ننفقها سنوياً على الجيش؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا تتمركز مقاتلاتنا من طراز F-22 Raptor هناك لحمايتها؟”
وتعكس هذه الأسئلة، بحسب مراقبين، نقاشاً متزايداً داخل الولايات المتحدة حول طبيعة التحالفات العسكرية وكلفتها السياسية والاقتصادية.