رمضان في السودان: صمود رغم الحرب والنزوح
الخرطوم – رغم إقامته في مركز لإيواء النازحين من ولاية غرب كردفان في غرب أم درمان بالعاصمة الخرطوم، يحرص “الطاهر” على الحفاظ على تقليد الإفطار الجماعي مع جيرانه في المركز، متمسكاً بالطقوس الرمضانية التي اعتاد عليها في دياره قبل أن تهجّره الحرب قبل أشهر.
ويعتمد الطاهر في معيشته على ما يرسله له ابنه المغترب في إحدى دول الخليج، ويؤكد أنه لن يتخلى عن عادته الرمضانية في الإفطار مع الجيران وتقاسم الطعام، رغم صعوبة الظروف الاقتصادية.
ورغم أن الحرب في السودان ألحقت دماراً واسعاً بالبنى التحتية والمنازل وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، فإنها لم تنجح في انتزاع العادات والتقاليد التي ورثها السودانيون عن أجدادهم.
ويحل شهر رمضان هذا العام فيما لا تزال المعارك مستمرة في بعض المناطق، خاصة في ولايات كردفان الثلاث وأجزاء من إقليم دارفور، حيث نزح مئات الآلاف إلى مناطق أكثر أمناً.
ورغم تمسك السودانيين بعاداتهم الرمضانية داخل البلاد وخارجها، فإن حركة النزوح واللجوء تركت أثراً واضحاً على الحياة الاجتماعية، خصوصاً في العاصمة الخرطوم، حيث تبدو بعض الأحياء شبه خالية من السكان، بينما تختلف نسب عودة الأهالي من حي إلى آخر.
كما يظهر أثر الحرب في افتقاد كثير من الأسر لبعض أفرادها بسبب التشتت أو الهجرة أو الفقدان، وهو ما يترك حزناً واضحاً خلال الأيام الأولى من رمضان التي تمتزج فيها الشعائر الدينية بالعادات الاجتماعية.
وقبيل حلول الشهر الفضيل، نشطت جمعيات ومنظمات خيرية في مختلف مدن وقرى السودان، بدعم من السودانيين العاملين في الخارج، لتوزيع سلال غذائية رمضانية ساعدت العديد من الأسر التي فقدت مصادر دخلها بعد الحرب.
ويُعد الإفطار الجماعي أمام المنازل أو في الشوارع من أبرز تقاليد رمضان في السودان؛ فقبل أذان المغرب يخرج السكان بالطاولات والكراسي ويفرشون الموائد في الطرقات ليجتمع الجيران وعابرو السبيل حولها.
ومن العادات الراسخة أن يخرج أهل القرى من منازلهم قبل الأذان حاملين طعاماً يزيد على حاجتهم، ويجلسون في المساجد أو الطرقات انتظاراً لأي مسافر أو غريب ليفطر معهم، إذ يعد من غير اللائق أن يمر صائم أمام منزل دون دعوته إلى الإفطار.
ومن المشاهد اللافتة أيضاً قيام السكان بإيقاف الحافلات والمسافرين قبيل المغرب لإجبارهم على الإفطار معهم، في تقليد يُعرف شعبياً بـ“الكمين”، حيث توضع العمامة السودانية في منتصف الطريق لوقف المركبات، ثم يستقبل الشباب الركاب ويدعونهم إلى موائد الإفطار.
كما يشهد رمضان حركة زيارات واسعة بين الأسر بعد الإفطار أو في عطلات نهاية الأسبوع، وتتبادل العائلات أطباق الطعام بين الجيران في تقليد يعزز المودة. وتُنظم بعض العائلات إفطارات كبيرة تجمع الأقارب في منزل كبير العائلة، إلى جانب عادة “التهادي” بإرسال الطعام قبل المغرب بين الأسر.
أما الأطفال فيجدون في رمضان مساحة أكبر للمرح والسهر، خاصة أثناء الإفطارات الجماعية، حيث يُسمح لهم بالبقاء مستيقظين حتى وقت متأخر من الليل.
وبسبب الأوضاع الأمنية الهشة، أصدر حكام ولايات الخرطوم والشمالية ونهر النيل والنيل الأبيض والبحر الأحمر أوامر طوارئ بتمديد حظر التجوال من الواحدة وحتى الخامسة صباحاً، بما يتيح للمواطنين ممارسة طقوس رمضان.
كما حظر حاكم الخرطوم إقامة الحفلات الجماهيرية في الشوارع والساحات العامة، ومنع إقامة الفعاليات داخل الصالات والأندية والمقاهي إلا بعد الحصول على تصديق رسمي.
وتعكس موائد الإفطار السودانية في رمضان تنوعاً ثقافياً واسعاً، إذ تختلف الأطباق بين مناطق البلاد. وتتصدر “العصيدة” المائدة في وسط السودان وغربه وجنوبه، وهي تُحضّر من دقيق الذرة أو الدخن وتُقدّم مع “ملاح التقلية” المصنوع من اللحم المجفف والبصل ومعجون الطماطم، أو “ملاح الروب” الذي يحتوي على زبدة الفول السوداني والزبادي ومسحوق البامية.
أما في شمال البلاد وشرقها، فيميل السكان إلى تناول “القراصة” المصنوعة من دقيق القمح وتُقدّم مع “الدمعة” المكونة من اللحم أو الدجاج المطبوخ مع البصل والطماطم.
وبعد الإفطار يتناول الناس أطعمة خفيفة مثل البليلة أو الحمص المسلوق، إلى جانب التين والزبيب والشاي والقهوة. ويعد مشروب “الحلو مر” المصنوع من الذرة المخمرة والتوابل من أشهر المشروبات الرمضانية في السودان، إضافة إلى عصائر الكركدي والعرديب والفواكه المحلية.
وفي وجبة السحور يفضل كثير من السودانيين تناول “الرقاق” المصنوع من عجينة القمح مع الحليب البارد، أو الأرز بالحليب.
ورغم تراجع دوره في المدن الكبرى، لا يزال “المسحراتي” حاضراً في بعض الأحياء والقرى، حيث يجوب الشوارع قبل الفجر مردداً الأناشيد لإيقاظ الناس للسحور في مشهد يحمل طابعاً تراثياً مميزاً.
ومع اقتراب نهاية الشهر الفضيل، تبدأ الاستعدادات لعيد الفطر، حيث تنشغل النساء في تحضير الكعك والبسكويت والحلوى التقليدية بشكل جماعي، إذ تتعاون الجارات والقريبات في إعدادها بالتناوب بين البيوت.
ويودع السودانيون رمضان بإنشاد المدائح النبوية والقصائد الدينية، ورغم الحرب والظروف الاقتصادية الصعبة والنزوح، يبقى للشهر الفضيل مكانة خاصة في قلوبهم، إذ يرتبط لديهم بذكريات دافئة وعادات راسخة تجعل وداعه لحظة ممزوجة بالفرح والحزن.