آخر بوست

كيف انقلبت المدينة من ملاذٍ دافئ إلى فضاءٍ خانق في الرواية العربية؟

لم تعد المدينة ذلك الفضاء الرحب الذي كانت تتشكل في دفئه العلاقات الاجتماعية، وتتبلور في ظله الهوية، وينمو فيه الانتماء إلى المكان، كما بدت في السرد الروائي السابق على خمسينيات القرن الماضي. ففي السرد الحديث، تحولت المدن إلى كائنات شبه أسطورية تمارس القمع والعزل الطبقي وتفرض أنماطًا قهرية من العيش.

لم يكن هذا التحول نتيجة تطور في تقنيات السرد أو تحولات جمالية داخل الرواية نفسها، بل جاء من قلب المدينة التي فقدت قلبها، ومن تغيّر طبيعة المجال العام وعلاقته بالفرد. المدينة لم تعد منتجة للاجتماع، بل صارت إطارًا لإدارته وضبطه.

في كتابه «الثقافة والإمبريالية»، يشير إدوارد سعيد إلى أن الفضاءات التي كانت تنتج الاجتماع تتحول، تحت ضغط السلطة، إلى «أمكنة إدارة لا أمكنة مشاركة»، حيث يُدفع الفرد إلى الانكفاء بدل التفاعل. يضيء هذا التصور الخلفية الثقافية التي تتحرك داخلها الرواية العربية المعاصرة، حيث لا تختفي المدينة بوصفها مكانًا، لكنها تُفرغ من قدرتها على احتضان التعدد وصناعة المعنى المشترك.

كان نجيب محفوظ يلزم نفسه ببرنامج عمل يومي في القراءة والكتابة (الفرنسية)
نجيب محفوظ كان يلزم نفسه ببرنامج عمل يومي في القراءة والكتابة (الفرنسية)

لم تكن «قاهرة نجيب محفوظ» مجرد مسرح للأحداث، بل كانت مجتمعًا حيًا ينتج العلاقات الاجتماعية من داخله ويحتوي الأماكن التي تسهم في صناعة المعنى العام للاجتماع وفي تشكيل المصائر، مثل الحي والمقهى والدكان والشارع. المدينة في روايات محفوظ كائن واسع يحتضن الجميع، ويمنحهم إمكانات الانتماء والتمرد والتفاوض مع الواقع.

ولم يكن نموذج محفوظ استثناءً، بل امتد في تجارب عربية متعددة جعلت من المدينة مقرًا لإنتاج الاجتماعي والسياسي، ومنطلقًا لولادة الحركات الاجتماعية، ومساحة يتربى فيها الفرد ويتشكل وعيه في رحم القيم.

لكن مع توسع الدولة الأمنية وتضخم أجهزة الضبط والمراقبة، تراجع هذا التصور. تحولت المدن إلى مراكز يقتصر دورها على إطعام ساكنيها ومراقبتهم وقهرهم عند الضرورة. لم تكن استجابة الرواية لهذا التحول غريبة، فالسرد يملك حساسية عالية تجاه التغيرات العميقة في بنية المجتمع، ولذلك بدأ في نقل الصورة الجديدة للمدينة.

في قراءته للرواية العربية بعد عام 2011، يلاحظ الناقد المصري صبري حافظ أن عددًا من النصوص الجديدة «ينقل الصراع من الشارع إلى الغرفة، ومن الجماعة إلى الجسد»، معتبرًا أن هذا التحول ليس انسحابًا من السياسة، بل إعادة تموضع للسرد في مواجهة مجال عام لم يعد قابلًا للاستخدام. ينطبق هذا الوصف بدقة على رواية «في غرفة العنكبوت»، حيث تصبح الغرفة وحدة السرد الأساسية كنتيجة مباشرة لتحول المدينة إلى فضاء معادٍ.

blogs رواية غرفة العنكبوت
غلاف رواية غرفة العنكبوت (مواقع التواصل الاجتماعي)

في هذه الرواية الصادرة عام 2016، يصور محمد عبد النبي مدينة متحولة بشكل واضح. القاهرة حاضرة بالاسم، لكن نسيجها الاجتماعي غائب تمامًا. لم يبق من قاهرة المعز سوى جهاز إقصاء، فلا شوارع فاعلة، ولا حياة عامة، ولا مساحات مشتركة بين البشر. لم يعد هناك سوى غرف مغلقة ومساحات داخلية خانقة.

يختار عبد النبي عن وعي أن يصف مدينة تنتج الخوف لا العلاقات، وأن يقدم مجالًا عامًا يمثل خطرًا دائمًا، حيث يصبح الظهور وحده تهديدًا. لذلك كان لا بد للسرد من الاحتماء بالداخل النفسي. المدينة هنا لا تختفي، بل تتحول إلى كابوس، إلى جهاز ضبط غير مرئي يجبر الشخص على الاختفاء والهرب بدل المشاركة. لا يصفها الروائي بأنها قاسية، بل يوثق استحالة العيش الاجتماعي فيها بوصفها مجرد نظام مراقبة وانضباط.

من منظور غربي، يقدم فريدريك جيمسون إطارًا نظريًا لفهم هذا التحول حين يربط بين الحداثة المتأخرة وتحويل الفضاء إلى وظيفة. ففي كتابه «ما بعد الحداثة، أو المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة»، يرى أن المدينة الحديثة لم تعد تُفهم بوصفها تجربة معيشة، بل كمنظومة تشغيل يعاد فيها تعريف المكان وفق منطق الإنتاج والرقابة. يقدّم هذا التحليل خلفية دقيقة لقراءة «مدن الملح» بوصفها نصًا استباقيًا لتحولات لاحقة في المدن العربية.

في خماسية «مدن الملح» عام 1984، قدّم عبد الرحمن منيف مستوى أعمق لتشريح المدينة، إذ جسدها بوصفها بنية اقتصادية خالصة. فالمدن النفطية لا تنمو طبيعيًا ولا تتشكل عبر التراكم المجتمعي، بل تُبنى بوصفها مواقع إنتاج. في هذه السردية يصبح الإنسان عنصرًا قابلًا للاستبدال داخل مؤسسة اقتصادية، ويغدو «شكل» المدينة حاضرًا دون أن ينتج مجتمعًا، لأن المكان موقع عمل لا مساحة حياة.

لم يكتفِ منيف بنقد المدينة، بل فككها وقدم نبوءة تحققت لاحقًا، وهي تحوّل هذه المدن إلى أماكن تُدار ولا تُعاش، وتُستهلك ولا تصلح للسكن بوصفها فضاءات إنسانية.

عبد الرحمن منيف
عبد الرحمن منيف قدم في خماسية “مدن الملح” مستوى أعمق للمدينة (مواقع التواصل الاجتماعي)

في قراءة نقدية للرواية السعودية الجديدة، يشير عبد الله الغذامي إلى أن السرد لم يعد يشتغل على «المجتمع» بقدر ما يشتغل على «السلطة داخل المكان»، حيث تُدار العلاقات عموديًا لا أفقيًا. ينسجم هذا التصور مع عالم رواية «ترمي بشرر»، حيث تتحول المدينة إلى مسرح مغلق للهيمنة، وتختفي فكرة المجال المشترك لصالح فضاءات خاصة تنتج العنف الرمزي.

إذا كان محمد عبد النبي قد جسد المدينة كجهاز إقصاء، وعبد الرحمن منيف قد فككها كمؤسسة وظيفية، فإن عبده خال يقدم نموذجًا ثالثًا للتحول الوظيفي للمدينة، وهو فضاء العزل الطبقي. المدينة حاضرة بقوة، لكنها مدينة عنصرية من طراز فريد، تشبه بيت العنكبوت الذي يورط الداخل إليه فلا يستطيع العيش إلا وفق منطقها وقوانينها.

توزع المدينة القهر على الجميع، ولكن دون مساواة. هناك مساحة مرئية للأقوياء وأخرى غير مرئية للضعفاء. العلاقات ليست أفقية بل عمودية، تُدار عبر السيطرة والرعب الرمزي في مجتمع يعيد تنظيم نفسه كلما خرج عن السيطرة.

لا يجمع روايات «في غرفة العنكبوت» و«مدن الملح» و«ترمي بشرر» سياق زمني واحد ولا أسلوب سردي مشترك، لكن ما جمع أصحابها هو إدراك مفجع بأن المدينة لم تعد قادرة على جمع أبنائها حولها وأداء دورها القديم في إنتاج الهوية والعلاقات الاجتماعية.

يبدو هذا التحول ثقافيًا قبل أن يكون فنيًا. لم يأتِ التغيير السردي نتيجة تطوير في أساليب التعبير، بل لأن الواقع الاجتماعي نفسه تغير وتحول إلى أزمة عميقة في المجتمعات العربية.

الرواية هنا لا تبكي على المدينة ولا تستدعيها من الماضي، بل توثق التحول العميق في علاقة الفرد بالمكان. المدينة لم تعد بطلاً خيّرًا، لكنها لم تختفِ. لقد أصبحت «بطلاً شريرًا»، ومن خلاله تسأل الرواية عن سبل النجاة في مدن لم تعد تشبه نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى