لماذا يحوّل المستوطنون أراضي ترمسعيا إلى مكبات نفايات؟
مخاوف
ويقع مكب النفايات الرئيسي على مسافة تقارب 150 مترا من منزل العائلة، في حين تتكدس مخلفات أخرى من الحديد والخشب وبقايا صناعية على بعد لا يتجاوز 10 أمتار من البيت. ويؤكد عبد الله أبو عواد أن المستوطنين يتعمدون إلقاء النفايات حتى خلف المنزل، في مسعى واضح لتوسيع رقعة التلوث وفرض طوق خانق على الأسرة.
ويعرب أبو عواد عن قلقه الشديد من طبيعة هذه النفايات، مشيرا إلى أن مصدرها المنطقة الصناعية التابعة للمستوطنة، والتي تضم مصانع ومواد يُحتمل أن تكون خطرة أو كيميائية. ويقول إن العائلة لا تعلم على وجه الدقة نوعية المخلفات التي يتم التخلص منها في المكان، لافتا إلى أن المستوطنين يحاولون التمويه عبر خلط النفايات الصناعية بالطمم والحديد والخشب.
وقبل أيام، رصد أبو عواد شاحنات تعمل خلال ساعات الليل على نقل عشرات الحمولات من مادة “الكركار” الحصوية، حيث جرى فرشها في أرض المكب بهدف تسهيل دخول الشاحنات الثقيلة. واعتبر هذه الخطوة محاولة واضحة لتثبيت المكب وتحويله إلى أمر واقع دائم، رغم ما يحمله من مخاطر بيئية وصحية جسيمة على العائلة ومحيطها.
ويأتي هذا الواقع البيئي القاسي مترافقا مع حصار مادي مباشر تعيشه العائلة منذ أكثر من عام، يتمثل في بوابة حديدية ثقيلة عزلت منزلها عن محيطه، ولا تُفتح إلا بمفتاح واحد بحوزة الأسرة، التي تضم نحو 30 فردا، بينهم أطفال ونساء وكبار في السن.
ويوضح عبد الله أبو عواد أن هذه البوابة لم تكن قائمة قبل الحرب على قطاع غزة، مشيرا إلى أن الطريق المؤدي إلى المنزل أُغلق منذ السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023 بواسطة سواتر ترابية، قبل أن يُعاد فتحه لاحقا بشروط مشددة، أبرزها تركيب بوابة تمنع دخول أي شخص باستثناء أفراد العائلة.
ويقول عبد الله “نعيش داخل البيت وكأننا داخل حدود مستوطنة”، لافتا إلى أن الصحافة والزيارات ممنوعة، وأن الحركة باتت مقيدة بمركبة واحدة فقط تخدم جميع أفراد الأسرة. ويضيف أن ولادتين حدثتا داخل المنزل خلال الأشهر الماضية، واضطرت النساء إلى الانتظار لساعات طويلة حتى تتوفر السيارة الوحيدة المسموح بدخولها، في ظل القيود الصارمة التي يفرضها الاحتلال على تنقل العائلة وحياتها اليومية.
اعتداءات متكررة
ويقع منزل عائلة أبو عواد على مسافة تقارب كيلومترين من مركز بلدة ترمسعيا، بمحاذاة المنطقة الصناعية التابعة لـمستوطنة شيلو. ومنذ سنوات، تتعرض العائلة لاعتداءات متكررة من المستوطنين، غير أن حدّتها تصاعدت بشكل لافت عقب الحرب الأخيرة، بحسب عبد الله أبو عواد، الذي أوضح أن الاعتداءات شملت تكسير النوافذ، وتحطيم ألواح الطاقة الشمسية، ومحاولات متكررة لإحراق المنزل، إضافة إلى اعتداءات جسدية طالت أفراد الأسرة.
وكشف أبو عواد أن المستوطنين وعناصر أمن مستوطنة شيلو وجهوا في بداية الحرب تهديدات مباشرة للعائلة، ومنحوها مهلة تتراوح بين أربعة وخمسة أيام لمغادرة المنزل. وبعد فشل هذه المحاولات، انتقلت الانتهاكات إلى أساليب جديدة ومتدرجة، وصفها بأنها تندرج ضمن “سياسة تهجير ممنهجة”. ورغم ذلك، يؤكد عبد الله إصرار العائلة على البقاء، قائلا “نحن متمسكون بأرضنا ومنازلنا مهما كانت الظروف، على الرغم من قسوة الواقع اليومي”.
من جهته، أوضح الناشط المناهض للاستيطان عايد غفري للجزيرة نت أن النفايات التي جرى إلقاؤها في محيط المنزل هي نفايات صلبة ناتجة عن مصنع إسرائيلي لإنتاج البيوت المتنقلة (الكرفانات)، وهي نفايات صناعية تختلف في طبيعتها وخطورتها عن النفايات المنزلية، نظرا لاحتوائها على مخلفات معدنية ومواد مرتبطة بالنشاط الصناعي.
وفي تفسيره لاختيار محيط منازل الفلسطينيين موقعا لتفريغ هذه النفايات، أشار غفري إلى أن عائلة أبو عواد تتعرض لمحاولات تهجير متواصلة منذ ثمانينيات القرن الماضي، مؤكدا أن مختلف الأساليب استُخدمت بحقها لخلق بيئة طاردة، ورغم ذلك واصلت العائلة صمودها، ولجأت مرارا إلى القضاء الإسرائيلي للمطالبة بحقها في البقاء، من دون أن تحقق نتائج ملموسة.
وأضاف أن تحويل محيط المنزل من أراضٍ مزروعة بأشجار الزيتون وبيئة طبيعية إلى مكب نفايات يمثل خطوة عقابية وتهجيرية في آن واحد، تهدف إلى إلحاق أضرار صحية وبيئية جسيمة بالعائلة، إلى جانب كشف المنزل أمنيا، خاصة في ظل وجود كاميرات مراقبة وبرج مراقبة استيطاني على مسافة لا تتجاوز خمسة أمتار من البيت.
مشروع استيطاني
وبرأي الناشط عايد غفري، لا يقتصر الضرر الناجم عن هذه الممارسات على عائلة أبو عواد وحدها، بل يمتد ليشمل بلدة ترمسعيا بأكملها. ويؤكد أن المستوطنين أقدموا على قطع ما يقارب عشرة آلاف شجرة زيتون في المنطقة، وحوّلوا مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المثمرة إلى مكب نفايات مفتوح.
ويلفت غفري إلى أن أعمال التجريف لا تزال متواصلة حتى اللحظة، في إطار مشروع استيطاني واضح المعالم، يهدف إلى رفع منسوب الأرض وطمس معالمها الطبيعية، وإحداث أضرار بيئية بعيدة المدى تجعل الأراضي غير صالحة للاستخدام الزراعي مستقبلا.
ولا تتوقف الانتهاكات، بحسب غفري، عند حدود رمي النفايات وتجريف الأراضي، بل تتعداها إلى إقامة بؤرة استيطانية رعوية عند مدخل سهل ترمسعيا، ما أدى إلى قطع الطريق بشكل كامل أمام الأهالي، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية التي تتجاوز مساحتها أربعة آلاف دونم، في خطوة تزيد من تضييق الخناق على البلدة وسكانها وتهدد مصدر رزقهم الأساسي.
وأضاف الناشط عايد غفري أن المستوطنين وسّعوا من استغلال سهل ترمسعيا على نطاق واسع، حيث قاموا بحرث أكثر من 800 دونم وزراعتها بمحاصيل مخصصة لرعي الأغنام، في خطوة تهدف إلى فرض واقع استيطاني جديد على الأرض. كما وثّق ناشطون قيام المستوطنين بزراعة أشتال عنب داخل أراضي المواطنين الفلسطينيين، في مسعى واضح لترسيخ السيطرة وخلق وقائع يصعب تغييرها مستقبلا.
ومن الجهة الشرقية للبلدة، تحولت الجبال المحيطة إلى تجمعات من الكرفانات الاستيطانية، في امتداد متسارع للمستوطنات القائمة، ما يعزز الطوق الاستيطاني المفروض على المنطقة. ويخلص غفري إلى أن ما يجري في ترمسعيا يعكس سياسة عامة تُطبق في مختلف مناطق الضفة الغربية، غير أن الهجمة الاستيطانية في سهل البلدة تتسم، وفق وصفه، بـ“شراسة استثنائية” من حيث وتيرتها واتساع نطاقها.
وأشار غفري إلى أن نحو 70% من الأراضي المتضررة مصنفة ضمن مناطق “ب”، وهي مناطق تخضع إداريا للسلطة الفلسطينية، في حين تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية عليها. ورغم هذا التصنيف، يُمنع المواطنون من الوصول إلى أراضيهم، الأمر الذي أدى إلى عزل مساحات واسعة من البلدة وتحويلها فعليا إلى منطقة منكوبة، انعكس ذلك سلبا وبشكل بالغ على البنية الاجتماعية والاقتصادية لسكانها.