من أرض الصومال إلى غرينلاند: كيف يُعاد تشكيل النظام الجيوسياسي العالمي؟
تناول الكاتب والمحلل التركي سليمان سيفي أوغون تحولات جيوسياسية متسارعة تربط بين «أرض الصومال» واليمن وغرينلاند ضمن مشهد عالمي واحد، معتبرا أن أخطاء استراتيجية ارتكبتها إسرائيل والإمارات والولايات المتحدة أعادت خلط الأوراق الإقليمية والدولية، وفتحت الباب أمام إعادة تموضع تقوده السعودية باتجاه باكستان وتركيا.
وفي مقال نشرته صحيفة يني شفق، يرى أوغون أن الاعتراف الإسرائيلي باستقلال «أرض الصومال»، وهي منطقة لا تحظى بأي اعتراف دولي يُذكر، شكّل الشرارة الأولى لسلسلة تطورات كبرى. ويؤكد أن هذا الاعتراف جاء ضمن مشروع مشترك بين إسرائيل والإمارات للسيطرة على البحر الأحمر، بعد أن سبقه تحويل أرخبيل سقطرى إلى قاعدة نفوذ تابعة لهما. ومع إدخال «أرض الصومال» في هذا المخطط، كان الجناح الغربي للجغرافيا الاستراتيجية للبحر الأحمر قد اكتمل.
ويضيف أن التحرك لم يتوقف عند هذا الحد، بل امتد شرقا إلى اليمن، حيث جرى تفعيل قوى محلية في عدن مرتبطة بالمحور الإسرائيلي-الإماراتي، بهدف إحكام السيطرة على الضفة الشرقية للبحر الأحمر. ووفق الكاتب، كان الهدف النهائي هو تحجيم النفوذ التركي في الصومال، ولا سيما في جزيرة سواكن، واستكمال السيطرة على الممر البحري الأهم عالميا.
غير أن هذه التحركات، بحسب أوغون، فجّرت غضبا سعوديا غير مسبوق. فالمملكة، التي كان يُراد إدخالها في «اتفاقيات إبراهيم»، سارعت إلى الانسحاب من هذا المسار، ورفضت بشكل قاطع تحول إسرائيل إلى لاعب مؤثر بهذا الحجم على حدودها الجنوبية. بل إن هذا التطور أدى إلى تصدع عميق في علاقتها مع الإمارات، التي كانت شريكتها في التحالف ضد الحوثيين.
ويتحدث الكاتب عن اتهامات سعودية صريحة للإمارات بالوقوف خلف هذه التحركات، مشيرا إلى أن الرياض استهدفت عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» في اليمن، المرتبطة بإسرائيل وأبوظبي، وفككت نفوذها. كما أعلنت بوضوح أنها لن تقبل بأي وجود إسرائيلي في اليمن. وفي عدن، استعادت قوات الحكومة اليمنية الشرعية المدعومة من السعودية زمام الأمور، فيما انسحبت الإمارات عمليا من اليمن، لتنهار الخطة الإسرائيلية-الإماراتية وتُطوى صفحتها.
ويرى أوغون أن السعودية ومصر كانتا أكثر دولتين عربيتين عبرتا عن رفض حاد للاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال». فالقاهرة، بحسب الكاتب، تدرك المخاطر الاستراتيجية المترتبة على انتقال السيطرة على البحر الأحمر إلى المحور الإسرائيلي-الإماراتي، وتعي أن أحد أهداف إسرائيل يتمثل في البحث عن بديل لقناة السويس، ما يجعل موقفها منسجما تماما مع الموقف السعودي.
ويعتبر الكاتب أن التحالف السعودي-الإماراتي، الذي قام تحت عنوان مواجهة «الخطر الإيراني»، بلغ نهايته فعليا. فالإمارات، التي دفعت طويلا باتجاه إدخال السعودية في «اتفاقيات إبراهيم» مستخدمة ورقتي إيران و«الإخوان المسلمين»، فشلت في ذلك، بينما نجحت الصين وقطر في رعاية مسار تطبيع العلاقات بين الرياض وطهران. وفي المقابل، حسمت أبوظبي خيارها بالانحياز إلى محور الهند-إسرائيل، في حين أعادت السعودية تموضعها الاستراتيجي.
ويصف أوغون التطور الأخطر بتوقيع اتفاقيات عسكرية بين السعودية وباكستان، الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحا نوويا. وبموجب هذه الاتفاقيات، تعهّد الطرفان باعتبار أي اعتداء على أحدهما اعتداء على الآخر، على نحو يشبه المادة الخامسة في ميثاق الناتو. ويرى أن هذا التطور أثار قلقا بالغا في إسرائيل، التي تضع مهاجمة إيران ضمن أولوياتها، إذ سيجعل أي تفكير لاحق باستهداف باكستان شبه مستحيل.
ويؤكد أن هذه التطورات تركت أثرا عميقا في تركيا، وهو ما تعكسه اللقاءات المكثفة على أعلى المستويات بين أنقرة والرياض. ويرى أن فرص انضمام تركيا إلى تحالف السعودية-باكستان باتت قائمة بقوة، وإذا ما تحقق ذلك فستواجه إسرائيل تحديا استراتيجيا بالغ التعقيد.
وفي بعد دولي موازٍ، يربط أوغون هذه التحولات بما يجري في غرينلاند، حيث تعلن الولايات المتحدة عزمها فرض السيطرة عليها، سلميا أو بالقوة. ويرى أن هذا السيناريو يضع أوروبا في حالة ارتباك، ويفتح نقاشا عبثيا حول احتمال تفعيل الناتو لمواجهة أقوى أعضائه. ويعتبر أن احتلال غرينلاند أمريكيا سيعني النهاية السياسية والعملية لحلف الناتو، ويفتح الباب أمام بحث الدول عن منظومات أمن إقليمية بديلة.
وفي هذا الفراغ، يرى الكاتب أن تحالف تركيا-السعودية-باكستان يكتسب أساسا نظريا وعمليا متينا. ويرجّح أن يحظى هذا التحالف بدعم مصري غير مباشر، حتى من دون انضمام رسمي. ويدعو الدبلوماسية التركية إلى تكثيف جهودها لتحسين العلاقات مع القاهرة، مؤكدا أن تعاظم التعاون التركي-المصري في ملفات الصومال والسودان وإثيوبيا وليبيا مصلحة حيوية للطرفين.
ويختم أوغون مقاله بالقول إن أخطاء جسيمة ارتكبتها الولايات المتحدة في غرينلاند، وإسرائيل في «أرض الصومال» واليمن، قادت العالم إلى مسارات لم تكن في الحسبان، وأطلقت تحولات جيوسياسية كبرى تُنذر بتشكل نظام إقليمي ودولي جديد، تُعاد فيه موازين القوى بالقوة لا بالشرعية.