أسواق

هل يشكل «الاقتصاد الفضي» بوابة فرص عمل واعدة للنساء في المغرب؟

يشهد المغرب في السنوات الأخيرة تحولا ديمغرافيا متسارعا، حيث ارتفعت نسبة السكان الذين تتجاوز أعمارهم 60 سنة إلى نحو 14% سنة 2024، مقابل 9% فقط سنة 2004، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط. هذا التطور يعكس بداية مرحلة جديدة تتزايد فيها أعداد كبار السن بشكل لافت، وما يرافق ذلك من تغيرات اجتماعية واقتصادية عميقة.

وقد أفرز هذا المسار الديمغرافي بروز ما يسمى بـ”الاقتصاد الفضي”، وهو مجموع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بخدمات الرعاية الصحية والتمريض، والرعاية المنزلية، والمواكبة الاجتماعية، وكل المنتجات والخدمات الموجهة لتلبية احتياجات الفئة العمرية التي تفوق 60 عاما.

ويرى رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير يوسف كراوي الفيلالي أن ارتفاع عدد كبار السن سيؤدي حتما إلى زيادة الطلب على خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، خاصة في ظل تحسن الموارد المالية لهذه الفئة. ويشير إلى أن إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية سنة 2021 جاء استجابة مباشرة لهذا التحول البنيوي، إذ أتاح توسيع التغطية الصحية لتشمل ملايين المواطنين، وتوسيع أنظمة التقاعد لفائدة فئات لم تكن تستفيد من معاشات تقاعدية.

وأوضح الفيلالي أن توفر التغطية الصحية والدخل المستقر سيمنح كبار السن قدرة أكبر على الاستفادة من خدمات رعاية مدفوعة الأجر وبجودة أفضل، ما يعزز الطلب على هذا النوع من الأنشطة الاقتصادية.

وفي السياق ذاته، أظهرت دراسة توقعية لوزارة الاقتصاد والمالية أن الاقتصاد الفضي يتمتع بإمكانات نمو واعدة، بمعدل يقارب 7% سنويا في المتوسط حتى سنة 2050. وتوقعت الدراسة أن يحقق هذا القطاع ما يفوق 640 مليار درهم، أي ما يعادل نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي الخام، مقارنة بـ53 مليار درهم فقط سنة 2014.

كما أشارت الدراسة إلى أن الفئة التي يزيد عمرها عن 60 سنة ستسهم بحوالي 22% من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي سنة 2050، مقابل 13% سنة 2014، ما يجعلها شريحة ذات تأثير مباشر على أنماط الاستهلاك والرعاية في المغرب. وخلصت إلى أن الاقتصاد الفضي يمكن أن يضيف نحو 0.6 نقطة إلى الناتج الداخلي الخام سنويا، أي ما يعادل قيمة مضافة إضافية تقدر بنحو 18 مليار درهم سنويا.

وترى الدراسة أن هذه الدينامية تمهد لظهور نموذج جديد للرعاية يكمل آليات التضامن التقليدية بين الأجيال، ويوزع أعباء الرعاية بشكل أكثر إنصافا، خاصة بين النساء.

وفي هذا الإطار، يبرز الاقتصاد الفضي كرافعة واعدة لإدماج النساء في سوق العمل، من خلال توظيفهن في مهن الرعاية الصحية والرعاية المنزلية والمرافقة الاجتماعية وخدمات الدعم اليومي لكبار السن. ويؤكد الخبير الاقتصادي ياسين اعليا أن امتلاك النساء لمهارات مرتبطة بهذه المهن يجعل القطاع بابا مهما لتوفير فرص العمل لهن، في ظل محدودية مشاركتهن الاقتصادية التي لا تتجاوز 19% حسب أرقام سنة 2024.

ويضيف اعليا أن الإحصائيات الدولية تظهر أن 65% من مهن الرعاية مدفوعة الأجر في العالم تقوم بها النساء، ما يجعل الاقتصاد الفضي فرصة طبيعية لإدماجهن في سوق العمل، شريطة تنظيم هذا القطاع قانونيا ومؤسسيا، وتحويل الرعاية المنزلية من نشاط تقليدي إلى وظائف مهنية معترف بها ومحمية اجتماعيا.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي أمين سامي أن الاقتصاد الفضي قطاع كثيف التشغيل ويعتمد أساسا على العنصر البشري أكثر من الآلات، ما يجعله مولدا طبيعيا لوظائف النساء. ويوضح أن الرعاية المنزلية والمساعدة في أنشطة الحياة اليومية والطب المنزلي والمرافقة الاجتماعية يمكن بناؤها على مهارات موجودة أو قابلة للتكوين السريع، ما يقلص زمن الإدماج في سوق العمل مقارنة بقطاعات صناعية أخرى.

ويشير سامي إلى أن الطلب على هذا القطاع مضمون هيكليا، لأن الشيخوخة تحولا بنيويا طويل الأمد وليس ظاهرة مؤقتة، وأن ارتفاع أعداد كبار السن وتزايد الأمراض المزمنة وتراجع الاستقلالية عوامل تخلق طلبا متكررا وطويل الأمد على خدمات الرعاية.

كما يرى أن الاقتصاد الفضي يفتح آفاقا لريادة أعمال مبتكرة في مجالات الرعاية المنزلية وخدمات النقل والتغذية الصحية وتوصيل الأدوية والدعم النفسي والاجتماعي، وهي مسارات توفر فرصا للنساء خارج نموذج الوظيفة التقليدية، خاصة في المدن المتوسطة والمناطق الهامشية.

ورغم هذه الإمكانيات الواعدة، يواجه الاقتصاد الفضي تحديات تنظيمية كبيرة. فقد أكدت الدراسة التوقعية لوزارة الاقتصاد أن تطوير اقتصاد الرعاية لا يلغي التضامن الأسري والمجتمعي، بل يكمله عبر خدمات عمومية وخاصة منظمة ومهنية ومستدامة. غير أن التحدي الأكبر يتمثل في توسيع الولوج إلى رعاية ذات جودة، مع الحد من الفوارق بين الجنسين وتعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة.

ويرى أمين سامي أن هشاشة ظروف العمل في القطاع غير المهيكل وغياب إطار قانوني واضح لمهن الرعاية قد يعرقلان تطور القطاع، محذرا من أن توسع الرعاية المنزلية بشكل غير منظم وبأجور منخفضة وغياب للتغطية الاجتماعية قد يؤدي إلى سوق واسعة بقيمة مضافة ضعيفة وسمعة مهنية هشة.

بدوره، يعتبر ياسين اعليا أن غياب قانون ينظم مهن الرعاية الاجتماعية والمنزلية هو أكبر عائق أمام تطور الاقتصاد الفضي، داعيا الحكومة إلى تهيئة البنية القانونية والتشريعية وتنظيم القطاع بشكل شامل، عبر إحداث صيغ جديدة للتوظيف.

ويشير سامي أيضا إلى أن نقص الكفاءات والمعايير يمثل تحديا إضافيا، مؤكدا أن الرعاية ليست مجرد خدمات منزلية بسيطة، بل تتطلب تكوينا مهنيا وبروتوكولات سلامة وأخلاقيات مهنية وآليات لحماية كبار السن.

كما يواجه القطاع إشكالية تمويل الطلب، إذ لا تستطيع فئات واسعة من الأسر تحمل كلفة رعاية مدفوعة الأجر بشكل مستمر، ما يستدعي إحداث تأمين للرعاية طويلة الأمد، ودعما موجها للفئات الهشة، وسلة خدمات مدمجة مع التغطية الصحية.

ويجمع خبراء الاقتصاد على أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحويل الاقتصاد الفضي إلى قطاع استراتيجي لتشغيل النساء في المغرب، خاصة في ظل تعميم الحماية الاجتماعية، وتوسع التأمين الصحي، وتحسن مستوى عيش فئة كبار السن، بما يجعل هذا القطاع أحد محركات النمو الاجتماعي والاقتصادي في المستقبل القريب.

الصورة 1: المغرب/ الرباط/ سناء القويطي/ أزقة بالمدينة القديمة لتطوان/ مصدر الصور: سناء القويطي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى