هل ينجح النظام الإيراني في احتواء أخطر موجة احتجاجات منذ سنوات؟
استعرض الخبير والمحلل التركي قدير أوستون تطورات الاحتجاجات الواسعة في إيران على خلفية الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، معتبرا أنها تحولت من حراك اجتماعي إلى تحدٍ سياسي مباشر للنظام، في ظل دعم أمريكي وإسرائيلي معلن، وتهديدات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي مقال نشرته صحيفة يني شفق، يرى أوستون أن إيران دخلت مرحلة حرجة بعد أن ترافقت المظاهرات المناهضة للنظام مع خطاب تصعيدي من ترامب لوّح فيه بإمكانية تنفيذ عمليات عسكرية. ويشير إلى أن دعوة ولي العهد السابق المقيم في الولايات المتحدة، رضا بهلوي، إلى مواصلة الاحتجاجات، إلى جانب تقارير عن نشاط إسرائيلي ميداني، أسهما في تعزيز التقديرات التي رجّحت إمكانية سقوط النظام هذه المرة.
غير أن الكاتب يلفت إلى أن التخفيف النسبي في لهجة ترامب منتصف الأسبوع بدا وكأنه هدّأ التقارير التي تحدثت عن قرب استهداف الولايات المتحدة لأهداف تابعة للنظام الإيراني. ويضيف أنه في ظل انقطاع الإنترنت في إيران منذ نحو أسبوع، لا تتوافر معلومات موثوقة عمّا يجري على الأرض، إلا أن المؤشرات تدل على أن النظام ينفذ حملة قمع واسعة كلفت حياة آلاف الأشخاص.
ويذكر أوستون أن طهران بدأت الاحتجاجات بخطاب «الاستماع إلى الشعب»، لكنها سرعان ما انتقلت إلى القمع الصريح بعدما طُرحت مسألة التدخلات الأميركية والإسرائيلية، وخلصت إلى أن الخيار الوحيد المتاح أمامها هو استخدام القوة.
توازن واشنطن بين الضغط والحرب
ويرى الكاتب أن ترامب، الذي واصل توجيه التهديدات إلى غرينلاند وإيران بثقة مفرطة بعد «عملية مادورو»، حسم موقفه في هذه المرحلة بتبني سياسة الضغط الأقصى لانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات من طهران، بدلا من السعي المباشر إلى إسقاط النظام.
ويعتبر أوستون أن إعلان إدارة ترامب دعمها السياسي للاحتجاجات ومحاولتها توجيهها علنا يمثل تحولا دراماتيكيا في الموقف الأميركي. فخلال عهد باراك أوباما، امتنعت واشنطن عن دعم احتجاجات «الحركة الخضراء»، مفضلة إعطاء الأولوية للاتفاق النووي، كما تجنبت لاحقا تقديم دعم صريح لموجات احتجاج محدودة شهدتها إيران.
أما اليوم، فقد بلغ التدخل الأميركي مستوى غير مسبوق، وصل إلى حد إدخال أجهزة «ستارلينك» إلى إيران بطرق غير مشروعة، في محاولة لتعويض قطع الإنترنت الذي فرضه النظام.
ويشير الكاتب إلى تقارير تفيد بأن إيران حصلت من الصين على تقنيات لتعطيل هذه الأجهزة، واتخذت إجراءات صارمة بحق مستخدميها، في ما يعكس حرب معلومات غير متكافئة. ويضيف أن واشنطن، بالتنسيق مع تل أبيب، تبذل أقصى ما في وسعها لإضعاف النظام عبر تعزيز قدرات التواصل لدى المعارضة.
حسابات ترامب المعقدة
ويذكّر أوستون بأن ترامب تعرّض خلال «حرب الأيام الاثني عشر» في حزيران الماضي لضغوط شديدة من بنيامين نتنياهو لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية، ما جعله حريصا على حصد الرصيد السياسي في حال نجاح الاحتجاجات. كما كان يدرك أن تهديداته بالتدخل العسكري، التي أطلقها منتشيا بما اعتبره نجاحا في «عملية مادورو»، لا يمكن لطهران تجاهلها.
غير أن الكاتب يرى أن مستشاري ترامب أبلغوه بأن سقوط النظام الإيراني ليس وشيكا، ما دفعه هذا الأسبوع إلى التركيز على تصريحات تتحدث عن حصول واشنطن على ضمانات بعدم إعدام المتظاهرين في إيران.
ويضيف أن ترامب، الذي أبدى امتعاضه من دفع نتنياهو له نحو مواجهة عسكرية مع إيران، لا يبدو مقتنعا في الوقت الراهن بخوض عملية عسكرية مفتوحة أو تهدف إلى إسقاط النظام. فبرغم اعتقاده أنه أثبت قدرته على معاقبة خصومه عبر اغتيال قاسم سليماني، واستهداف منشآت نووية، و«عملية مادورو»، لا يرى خيارا يتيح له تحقيق نتائج سريعة مماثلة في إيران.
هل يسقط النظام الإيراني؟
يرى أوستون أن لجوء النظام الإيراني إلى ذريعة «التدخل الخارجي» لتبرير القمع يعكس عجزه عن إنتاج حل سياسي داخلي. كما أن تحرك الولايات المتحدة وإسرائيل مستفيدتين من خروج الناس إلى الشارع يمنحه مبررا لتشديد قبضته الأمنية.
ويضيف أن تراجع النفوذ الإقليمي لإيران خلال العامين الأخيرين، سواء عبر ضعف علاقتها بـ«حزب الله» أو انسحابها من سوريا، أضعف موقعها الجيوسياسي بشكل ملحوظ. كما أن عجزها عن الرد على الهجمات الإسرائيلية المتكررة، بما فيها عمليات اغتيال في قلب طهران، كشف هشاشتها الاستراتيجية.
ويرى الكاتب أن اعتماد القمع بوصفه الخيار الوحيد يعكس تراجعا خطيرا في القدرة على التفكير الاستراتيجي، إذ يفتقر النظام إلى الرؤية اللازمة لاستقطاب المعارضة الداخلية أو تحييدها في مواجهة التدخل الخارجي.
ومع ذلك، يحذر أوستون من التسرع في التنبؤ بسقوط النظام، مذكرا بأن النخب الحاكمة نجحت طوال عقود في الحفاظ عليه رغم العقوبات والضغوط الدولية، حتى ولو على حساب تحوله إلى دولة منبوذة. وهي لا تتردد اليوم في الانخراط في دوامة عنف قد تودي بحياة الآلاف.
ويخلص الكاتب إلى أن القمع قد يُبقي السلطة قائمة عند غياب الشرعية السياسية، لكنه لا يفتح الطريق أمام حل سياسي شامل أو استقرار داخلي قائم على التوافق والوحدة الوطنية. ويشير إلى أن النظام الإيراني يمتلك، عند الشعور بتهديد وجودي، قدرة على اتخاذ خطوات سياسية «عقلانية»، كما فعل خلال محاولات التنسيق مع واشنطن في «حرب الأيام الاثني عشر».
غير أن أوستون يؤكد أن داخل إدارة ترامب تيارا لا يرغب في الانجرار إلى حرب شاملة مع إيران تحت عنوان «أمن إسرائيل»، وأن ترامب نفسه، بحكم حساباته الداخلية ونهجه القومي، لا يريد خوض مغامرة جديدة من نوع «الحروب التي لا تنتهي»، كما في العراق وأفغانستان.
ويختم بالقول إن واشنطن تخلت فعليا عن سياسة النأي بالنفس إزاء الاضطرابات الداخلية في إيران، بدليل الدعم السياسي والمادي المباشر الذي تقدمه للاحتجاجات، حتى وإن بقي الخيار العسكري مؤجلا في الوقت الراهن بسبب غموض أهدافه وكلفته المحتملة.