أجواء تحت الاختبار.. كيف أعادت بطولة كأس العالم تشكيل الأمن القومي الأمريكي؟
رغم انتهاء منافسات كأس العالم 2026، فإن الحدث الرياضي الأكبر في العالم ترك وراءه إرثًا أمنيًا جديدًا في الولايات المتحدة، بعدما شكل اختبارًا واسعًا لقدراتها على حماية الملاعب من تهديد الطائرات المسيّرة، وهو تحدٍ لم يكن حاضرًا عندما استضافت البلاد البطولة عام 1994.
وعلى مدار 39 يومًا و78 مباراة أقيمت في 11 مدينة، نفذت السلطات الأمريكية واحدة من أكبر العمليات الأمنية في تاريخها، وسط جهود مكثفة لمنع أي اختراق جوي قد يهدد الجماهير والمنشآت الرياضية.
تحديات قانونية قبل البطولة
وكشفت تقارير أمنية أن الولايات المتحدة واجهت قبل انطلاق البطولة تحديًا قانونيًا، إذ كانت صلاحية التعامل مع الطائرات المسيّرة محصورة في الجهات الفدرالية، مثل وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي، بينما لم تكن أجهزة الشرطة المحلية مخولة قانونًا بإسقاط أو تعطيل أي طائرة مسيّرة.
وأظهرت البيانات أن السلطات الفدرالية تلقت منذ عام 2018 أكثر من 121 ألف طلب للتدخل في فعاليات وملاعب رياضية، لكنها استجابت لعدد محدود من الحالات، ما دفع الكونغرس إلى إقرار قانون “الأجواء الأكثر أمانًا” في ديسمبر/كانون الأول 2025، والذي منح لأول مرة سلطات أوسع لأجهزة الأمن المحلية للتعامل مع هذا النوع من التهديدات.
وبسبب ضيق الوقت، دخلت اللوائح التنفيذية للقانون حيز التطبيق مطلع يوليو/تموز 2026، قبل أيام فقط من انطلاق البطولة، فيما تلقى 60 ضابطًا من المدن المستضيفة تدريبات مكثفة ليعملوا بصلاحيات فدرالية مؤقتة خلال المونديال.
تمويل ضخم لتعزيز الحماية
ورصدت الحكومة الأمريكية 250 مليون دولار بصورة عاجلة لدعم الإجراءات الأمنية الخاصة بالمونديال، ضمن برنامج نفذته وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية، كما أعلنت وزارة الأمن الداخلي لاحقًا تخصيص 500 مليون دولار على مدار عامين لتعزيز قدرات الولايات في مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة.
ويهدف البرنامج إلى بناء شبكة دفاع جوي محلية قادرة على كشف واعتراض الطائرات غير المأهولة، مع توزيع الجزء المتبقي من التمويل على مختلف الولايات خلال عام 2027.
تقنيات جديدة لحماية الجماهير
واختلفت طبيعة التعامل مع المسيّرات داخل المدن والملاعب عن ساحات القتال، إذ لا يمكن استخدام الذخيرة أو وسائل التدمير التقليدية فوق تجمعات تضم عشرات الآلاف من المشجعين، خشية سقوط الحطام أو المقذوفات على الحضور.
ولهذا اعتمدت السلطات الأمريكية على تقنيات متخصصة، أبرزها:
- أنظمة الاعتراض الشبكي التي تطلق شبكة لاحتجاز الطائرة المسيّرة وسحبها بعيدًا دون تدميرها.
- أنظمة السيطرة الإلكترونية التي تستولي على رابط التحكم بالطائرة وتجبرها على الهبوط الآمن في منطقة محددة، بدلًا من استخدام التشويش العشوائي الذي قد يؤثر في شبكات الاتصالات والطيران المدني.
تحديات في سوق المعدات
كما واجهت المدن الأمريكية تحديات تتعلق بسرعة توفير المعدات المناسبة، إذ لم تنشئ وزارة الأمن الداخلي مكتبًا متخصصًا لمشتريات أنظمة مكافحة المسيّرات إلا قبل أشهر قليلة من انطلاق البطولة، في وقت شهدت فيه السوق الأمريكية إقبالًا كبيرًا من الشركات المزودة لهذه التقنيات.
إرث أمني يتجاوز المونديال
ويرى خبراء أمنيون أن القيمة الحقيقية لكأس العالم لا تكمن فقط في نجاح تأمين البطولة، بل في أنها سرّعت بناء منظومة وطنية طويلة الأمد لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة، والتي باتت تُعد أحد أبرز التحديات الأمنية خلال السنوات المقبلة.
ومن المنتظر أن تستفيد دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس 2028 بشكل مباشر من هذه الخبرات والبنية التحتية، بعدما تحولت تجربة المونديال إلى نموذج عملي لاختبار أنظمة الرصد والاعتراض، وآليات التنسيق بين الأجهزة الفدرالية والسلطات المحلية، بما يعزز جاهزية الولايات المتحدة للتعامل مع المخاطر الجوية مستقبلاً.