خطة فتح طريق إردوغان للرئاسة في 2028
بدأت تتضح ملامح استراتيجية حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا لإتاحة المجال أمام الرئيس رجب طيب إردوغان لخوض الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028، رغم القيود الدستورية التي تحول دون ترشحه لولاية جديدة بعد استنفاد عدد الفترات الرئاسية المسموح بها.
وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، أزمة داخلية حادة تتعلق بقيادته، عقب قرار قضائي أبطل نتائج مؤتمره العام الذي عُقد عام 2023، والذي أسفر عن انتخاب أوزغور أوزيل رئيساً للحزب خلفاً لكمال كليتشدار أوغلو، قبل أن تعيده المحكمة مؤقتاً إلى رئاسة الحزب لحين البت النهائي في القضية.
سيناريو تجديد الانتخابات
وأثار كبير مستشاري الرئيس التركي ونائب رئيس مجلس السياسات القانونية بالرئاسة، محمد أوتشوم، الجدل مجدداً بعدما لمح إلى إمكانية إجراء الانتخابات الرئاسية قبل موعدها الرسمي المحدد في 7 مايو (أيار) 2028، عبر دعوة البرلمان إلى تجديد الانتخابات، لتُجرى في 16 أبريل (نيسان) من العام نفسه.
وأكد أوتشوم أن تركيا لا تحتاج فقط إلى إعادة انتخاب إردوغان، بل تحتاج إلى استمراره في قيادة البلاد نظراً إلى خبرته السياسية ومكانته الدولية، معتبراً أن السماح له بخوض الانتخابات «للمرة الأخيرة» يجب أن يكون خياراً مطروحاً أمام البرلمان عند مناقشة مسألة تجديد الانتخابات.
وبحسب الدستور التركي، لا يحق لإردوغان الترشح مجدداً بعد انتهاء ولايته الحالية، إذ ينص النظام الرئاسي على حد أقصى يتمثل في فترتين رئاسيتين. غير أن هناك مسارين يمكن أن يفتحا الباب أمام ترشحه مرة أخرى؛ أولهما تعديل الدستور، والثاني اتخاذ البرلمان قراراً بتجديد الانتخابات قبل موعدها الرسمي.
ويتطلب الخيار الثاني موافقة ثلاثة أخماس أعضاء البرلمان، أي 360 نائباً من أصل 600، بينما يحتاج تعديل الدستور إلى أغلبية الثلثين، وهو ما يبدو أكثر صعوبة في ظل التوازنات البرلمانية الحالية.
وأشار أوتشوم إلى أن طرح ملف تجديد الانتخابات قبل نهاية عام 2027 غير مرجح، لكنه توقع أن يكون شهر فبراير (شباط) 2028 موعداً مناسباً لاتخاذ القرار، بما يتيح إجراء الانتخابات بعد نحو شهرين، وتحديداً في 16 أبريل، وهو تاريخ يحمل دلالة رمزية باعتباره اليوم الذي شهد الاستفتاء الدستوري عام 2017، والذي مهد للانتقال إلى النظام الرئاسي الحالي.
يدعم رئيس حزب «الحركة القومية»، دوبت يهشلي، ترشيح إردوغان للرئاسة مجددا ويدافع عن بقاء النظام الرئاسي (الرئاسة التركية)وقال أوتشوم: «من الواضح أن تحالف الشعب (حزبا «العدالة والتنمية» برئاسة إردوغان و«الحركة القومية» برئاسة دولت بهشلي) سيُبدي تصميماً في هذا الشأن (تجديد الانتخابات)، استناداً إلى تصريحات بهشلي ومسؤولي حزب (العدالة والتنمية)، كما يُتوقع وجود ميل قوي في البرلمان إزاء هذا التوجه».
ولفت إلى أنه من غير المتوقع طرح هذه المسألة على البرلمان قبل نهاية عام 2027، لذا، من الواضح أن الوقت لم يحن بعد لمناقشة هذه المسألة، مضيفاً أنه إذا طرح الأمر على البرلمان في فبراير (شباط) 2028، فإنه ستكون هناك مدة كافية من الناحية القانونية لإجراء الانتخابات في غضون شهرين.
وذكر تاريخ 16 أبريل 2028 موعداً محتملاً لإجراء الانتخابات، مشيراً إلى رمزيته الكبيرة، لأنه اليوم الذي أجري فيه الاستفتاء على تعديل الدستور في عام 2017، للانتقال إلى النظام الرئاسي بعد انتخابات يونيو (حزيران) 2018.
وتزامنت هذه التصريحات مع تصاعد الأزمة داخل حزب «الشعب الجمهوري»، وهو ما دفع مراقبين إلى الربط بين توقيت الحديث عن الانتخابات المبكرة وبين حالة الارتباك التي تعيشها المعارضة، خصوصاً أن الحزب تمكن خلال الفترة الماضية من الحفاظ على تقدمه في استطلاعات الرأي منذ الانتخابات المحلية لعام 2024.
ويعوّل «تحالف الشعب» الحاكم، الذي يضم حزبي «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية»، على استقطاب دعم حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد، إلى جانب بعض النواب المستقلين وأعضاء الأحزاب الصغيرة، لضمان الأصوات اللازمة داخل البرلمان لتمرير قرار تجديد الانتخابات.
وفي المقابل، تتزايد التكهنات بشأن مستقبل أوزغور أوزيل، الذي ترددت معلومات عن استعداده لتأسيس حزب سياسي جديد في حال تعذر استعادة السيطرة على «الشعب الجمهوري». وتشير الأحاديث المتداولة في الأوساط السياسية إلى تجهيز مقرين في أنقرة، أحدهما لحزب جديد محتمل، والآخر لحزب قائم يمكن أن يقوده أوزيل إذا استمرت الأزمة الحالية.
ورغم تلك التكهنات، شدد أوزيل على أن أولويته تتمثل في استعادة الحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك، مؤكداً أنه لن يلجأ إلى خيار تأسيس حزب جديد إلا إذا فُرض عليه ذلك، بهدف مواصلة العمل مع القاعدة الشعبية الواسعة التي منحته ثقتها خلال السنوات الأخيرة.
سباق مع الزمن
ويعمل فريق أوزيل حالياً على تنظيم مؤتمر عام استثنائي للحزب بدعم غالبية المندوبين، بهدف انتخاب قيادة جديدة وتشكيل الهيئات الحزبية بصورة قانونية، في محاولة لتجاوز الأزمة الراهنة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل المخاوف من فقدان الحزب أهليته للمشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة إذا لم يعقد مؤتمره العام قبل 26 يوليو (تموز) المقبل، بينما يترقب الجميع قرار محكمة النقض المنتظر صدوره في 20 يوليو بشأن الطعن المتعلق ببطلان المؤتمر العام للحزب.
وفي ظل هذه التطورات المتسارعة، تبدو الساحة السياسية التركية مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها حسابات الانتخابات الرئاسية المقبلة مع صراعات المعارضة الداخلية، ما قد يعيد رسم موازين القوى قبل استحقاق 2028.
أوزيل خلال تجمع لأنصاره من أعضاء حزب الشعب الجمهوري السبت في غرب تركيا (من حسابه في إكس)