إلى أي مدى نعرف ترامب؟
تُعدّ ماري ترامب، ابنة شقيق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، شخصية ذات أهمية خاصة في فهم الخلفية الشخصية والعائلية للرئيس الأمريكي. فهي عالمة نفس أمريكية ومؤلفة كتاب أثار جدلاً واسعاً بعنوان: «كيف صنعت عائلتي أخطر رجل في العالم؟».
يقدم الكتاب شهادة نادرة من داخل عائلة ترامب، إذ يكشف الكثير من تفاصيل العلاقات الأسرية والمالية التي أحاطت بنشأة دونالد ترامب. كما يتناول قضايا تتعلق بالتهرب الضريبي، وطبيعة العلاقات بين أفراد العائلة، ويعرض معلومات يصعب العثور عليها في مصادر أخرى.
وقد حاول عدد من أفراد العائلة منع نشر الكتاب عبر دعاوى قضائية متعددة، إلا أن تلك المحاولات لم تنجح سوى في تأخير صدوره لفترة محدودة.
بعد قراءة الكتاب، أصبح من الصعب بالنسبة لي النظر إلى دونالد ترامب باعتباره مجرد رئيس للولايات المتحدة. فقد رسمت ماري ترامب صورة لشخص يميل إلى إطلاق الادعاءات غير الدقيقة بسهولة، ويقيّم الوقائع من خلال تصورات وقناعات راسخة في ذهنه، حتى عندما تتعارض مع الواقع. ووفقاً لتحليلها النفسي، فإن العديد من سلوكياته تعكس أنماطاً مرضية متجذرة في شخصيته.
وتورد ماري ترامب في كتابها وصفاً لافتاً لشخصية عمها، حيث ترى أن حاجته المستمرة إلى الإطراء والثناء تجعله شديد التأثر بمن يمدحونه ويعززون صورته الذاتية. وتذهب إلى أن تكرار عبارات المديح حول تفوقه وذكائه وعظمته قد يكون كافياً لدفعه إلى تبني مواقف أو قرارات معينة، بغض النظر عن نتائجها أو تداعياتها.
لكن جذور هذه الشخصية، بحسب الكتاب، تعود إلى بيئة عائلية معقدة. فقد نشأ ترامب في ظل أب شديد الصرامة والانضباط، كرّس حياته للعمل وفرض سلطته على أفراد الأسرة، وأم عانت مشكلات صحية متكررة أبعدتها لفترات طويلة عن الحياة الأسرية اليومية.
في هذا المناخ، تطورت شخصية ترامب بصورة مختلفة؛ إذ اعتاد التمرد على القيود، والسعي لتحقيق أهدافه بأي وسيلة ممكنة. وعندما وجد والده صعوبة في التعامل مع سلوكه، قرر إلحاقه بمدرسة عسكرية أملاً في ضبط شخصيته وتوجيهها.
ورغم تلك التجربة، لم يستمر ترامب في المسار العسكري، بل اتجه لاحقاً إلى الدراسة الجامعية وسط روايات متباينة بشأن سنواته التعليمية الأولى. وبعد فترة من التنقل بين المؤسسات التعليمية، التحق بأعمال والده في قطاع العقارات والبناء.
بحلول أواخر الستينيات، بدأ عمله رسمياً داخل شركة العائلة، قبل أن يتولى قيادتها في مطلع السبعينيات. ومن هناك انطلق في بناء صورته العامة، مستفيداً من ظهوره الإعلامي المكثف وحضوره الدائم في الصحافة وبرامج التلفزيون، حتى أصبح واحداً من أشهر رجال الأعمال في الولايات المتحدة.
سياسياً، لم يكن ترامب مرتبطاً في بداياته باتجاه حزبي ثابت؛ إذ قدم تبرعات لمرشحين من توجهات مختلفة، وشارك في أنشطة سياسية متنوعة. إلا أن حضوره السياسي الحقيقي بدأ يتبلور تدريجياً، وصولاً إلى دخوله معترك السياسة الوطنية، ثم تحوله إلى شخصية عالمية بعد انطلاق حملته الرئاسية.
تفتتح ماري ترامب كتابها باقتباس للكاتب الفرنسي الكبير فيكتور هوغو يقول فيه:
«إذا بقيت الروح في الظلام فإنها ترتكب الخطيئة، وليس المذنب من يرتكب الخطيئة، بل من يتسبب في الظلام».
ويبدو أن هذا الاقتباس يلخص رؤيتها لشخصية عمها؛ فهي ترى أن ترامب يتعامل مع النقد باعتباره هجوماً شخصياً، وأن رد فعله غالباً ما يكون مزيداً من التشدد والإصرار على المواقف نفسها، وكأنه يعيد إنتاج العالم الذي تشكلت فيه شخصيته خلال سنوات الطفولة.
وفي خاتمة الكتاب، تعبر ماري ترامب عن قلقها العميق مما تصفه بعدم اكتراث المجتمع الدولي بالسلوكيات التي تراها خطراً على القيم الإنسانية والمؤسسات الديمقراطية. وترى أن الصمت تجاه هذه الممارسات يساهم في استمرارها وتعاظم آثارها.
وفي هذا السياق، قد تمثل تصريحات رئيسة الوزراء الإيطالية Giorgia Meloni، التي نفت مزاعم تتعلق بطلب ترامب التقاط صورة معها ووصفتها بأنها «مختلقة بالكامل»، مؤشراً على تزايد الاستعداد لمواجهة الروايات التي يطرحها الرئيس الأمريكي السابق والتشكيك فيها علناً.