آخر بوست

بعد محطة الفضاء الدولية.. هل تحاول الصين أن تصبح “الميناء الفضائي” الجديد للعالم؟

يتجه العالم نحو مرحلة جديدة في تاريخ استكشاف الفضاء، مع اقتراب موعد إنهاء تشغيل محطة الفضاء الدولية بحلول نهاية عام 2030. وإذا لم تتمكن الولايات المتحدة من تشغيل محطاتها التجارية الجديدة، أو روسيا من إطلاق محطتها الوطنية المأهولة وفق الجداول الزمنية المعلنة، فقد تصبح محطة الفضاء الصينية “تيانغونغ” المحطة المأهولة الوحيدة العاملة في المدار الأرضي لفترة من الزمن.

وسيمنح هذا السيناريو الصين ثقلا سياسيا وتقنيا متزايدا في الفضاء القريب من الأرض، مع إعادة رسم خريطة التعاون الفضائي الدولي في مرحلة ما بعد محطة الفضاء الدولية، وتعزيز مكانة المبادرات الصينية في هذا المجال.

مرحلة ما بعد محطة الفضاء الدولية

تشير مقالة نشرتها صحيفة هوان تشيو الصينية إلى أن الاتفاق الأمريكي الروسي على إنهاء تشغيل محطة الفضاء الدولية بحلول عام 2030 لا يمثل مجرد إغلاق لمنشأة فضائية، بل يشكل اختبارا حقيقيا لمستقبل نموذج التعاون الدولي في الفضاء.

وتتجه الولايات المتحدة إلى الاعتماد على محطات فضائية تجارية تديرها شركات خاصة، في حين تعمل روسيا على تطوير محطة فضائية وطنية متقدمة، إلا أن هناك تساؤلات حول قدرة المشروعين على الدخول في مرحلة التشغيل المأهول ضمن المواعيد المعلنة.

وفي المقابل، أصبحت محطة تيانغونغ الصينية في مرحلة التشغيل الاعتيادي، مع منظومة متكاملة لدعم الرحلات المأهولة والتجارب العلمية، ما يجعلها المرشح الأبرز لتكون المنصة المأهولة الوحيدة في المدار إذا واجهت المشروعات الأمريكية والروسية أي تأخير.

وترى الكاتبة الصينية شو فُنغ نا أن هذا الاحتمال لا ينبغي أن يُفسر على أنه محاولة لاحتكار الفضاء، بل فرصة لتعزيز نموذج تعاون دولي تقوده الصين مع انفتاح على مختلف الدول.

JIUQUAN, CHINA - SEPTEMBER 29: A Long March 2F rocket carrying the country's first space laboratory module Tiangong-1 lifts off from the Jiuquan Satellite Launch Center on September 29, 2011 in Jiuquan, Gansu province of China. The unmanned Tiangong-1 will stay in orbit for two years and dock with China's Shenzhou-8, -9 and -10 spacecraft with the eventual goal of establishing a manned Chinese space station around 2020. (Photo by Lintao Zhang/Getty Images)
صاروخ لونغ مارش 2F حاملاً أول وحدة مختبر فضائي صيني، تيانغونغ-1، من مركز جيوتشوان لإطلاق الأقمار الصناعية في 29 سبتمبر 2011 (غيتي)

الفضاء بوصفه مجالا للتعاون

ترتكز الرؤية الصينية، وفق المقالة، على مبدأ أن الفضاء الخارجي يجب أن يبقى مجالا للاستخدام السلمي والتعاون الدولي، بعيدا عن الصراعات الجيوسياسية أو محاولات فرض النفوذ، وذلك انسجاما مع معاهدة الفضاء الخارجي التي تؤكد عدم جواز الاستيلاء على الفضاء أو الأجرام السماوية.

وترى الكاتبة، وهي عضو في الجمعية الصينية لقانون الفضاء، أن أبرز إرث خلفته محطة الفضاء الدولية يتمثل في قدرتها على تحويل التعاون العلمي بين الدول المتنافسة إلى نموذج عملي للتعايش السلمي.

وفي هذا السياق، تؤكد الصين رفضها عسكرة الفضاء أو إنشاء تكتلات فضائية مغلقة تقوم على التحالفات الحصرية، مشيرة إلى انفتاح محطة تيانغونغ على التعاون الدولي من خلال مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي.

ووفقا للمقالة، جرى اختيار تسعة مشروعات علمية من 17 دولة و23 مؤسسة ضمن الدفعة الأولى من التجارب الدولية، إضافة إلى خطط لإشراك رواد فضاء وخبراء من دول أخرى، وتوفير برامج تدريبية وفرص بحثية للدول ذات الإمكانات الفضائية المحدودة.

توسع في الإطلاقات التجارية

بالتوازي مع تطوير المحطات الفضائية، تواصل الصين توسيع قدراتها في قطاع الإطلاقات التجارية.

وذكرت صحيفة غلوبال تايمز أن صاروخ لي جيان-1 العامل بالوقود الصلب نفذ مهمة جديدة حمل خلالها خمسة أقمار صناعية إلى مداراتها المحددة، في إطار خطة لإطلاق رحلات شهرية منتظمة خلال النصف الثاني من العام.

ويمثل هذا الإطلاق الرحلة الخامسة عشرة لهذا الطراز، الذي يعتمد على تصميم معياري يتيح تكييف الصاروخ مع أنواع متعددة من الحمولات، وقد خدم حتى الآن أكثر من 30 عميلا داخل الصين وخارجها، بينهم ستة عملاء دوليين.

وأشار موقع سينا فاينانس إلى أن سلسلة صواريخ لي جيان انتقلت من مرحلة إثبات التقنية إلى التشغيل التجاري، بعدما تمكن طراز لي جيان-1 من إطلاق أكثر من 110 أقمار صناعية بكتلة إجمالية تجاوزت 16 طنا، ليصبح أول صاروخ تجاري مدني صيني يتجاوز حاجز المئة قمر صناعي.

JIUQUAN, CHINA - MAY 29: An employee of the China Manned Space Agency takes photos at the launch site of the Shenzhou-16 and Long March-2F rocket at the Jiuquan Satellite Launch Center on May 29, 2023 in Jiuquan, China. The astronauts will travel on the Shenzhou-16 spacecraft carried by a Long March-2F rocket to Chinas Tiangong Space Station from the Gobi Desert on May 30 and will stay for six months, relieving the crew that arrived there late in 2022. (Photo by Kevin Frayer/Getty Images)
موظف من وكالة الفضاء الصينية المأهولة في موقع إطلاق مركبة شنتشو-16 وصاروخ لونغ مارش-2 إف في مركز جيوتشوان لإطلاق الأقمار الصناعية في 29 مايو 2023 في جيوتشوان، الصين (غيتي)

الحوسبة الفضائية والذكاء الاصطناعي

وتتجه الصين أيضا إلى تعزيز مفهوم الحوسبة الفضائية، الذي يقوم على معالجة البيانات في المدار بدلا من إرسالها كاملة إلى الأرض.

ونقل موقع سينا فاينانس عن كبير مصممي صاروخ لي جيان-1، شي شياونينغ، قوله إن التطور المتسارع في الإنترنت الفضائي والاستشعار عن بعد والحوسبة الفضائية يفرض متطلبات جديدة تتعلق بقدرات الإطلاق، وتعدد المدارات، وسرعة التكيف مع مختلف أنواع الحمولات.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك القمر الصناعي تشن غوانغ-1، الذي يستخدم لاختبار تقنيات الطاقة والتبريد الخاصة بمراكز البيانات الفضائية المصغرة، ويضم خوادم حوسبة متقدمة وكاميرا للاستشعار عن بعد لإجراء عمليات معالجة البيانات داخل القمر نفسه.

كما طورت الصين القمر جي تيان شينغ A-4، الذي يعتمد بصورة واسعة على تقنيات الذكاء الاصطناعي في التصميم والتشغيل، مع تقليل عدد المكونات بنسبة 80%، ورفع كفاءة التصنيع بأكثر من 40%، وخفض الكتلة الإجمالية للقمر بنحو 30%.

وفي السياق ذاته، أوضحت صحيفة تشاينا ديلي أن القمرين الصناعيين دونغ بو-13 ودونغ بو-14 تمكنا من إنتاج صور عالية الدقة بعد نحو ساعة ونصف فقط من وصولهما إلى المدار، وهو أسرع زمن معلن حتى الآن بين شركات الأقمار الصناعية الخاصة في الصين.

ونقلت الصحيفة عن تشانغ ووجون، نائب المدير العام لشركة مينوسبيس، أن الشركة تعتمد على أنظمة ذكاء اصطناعي تعمل مباشرة على متن الأقمار الصناعية لتحديد الأهداف، واكتشاف الأعطال، وترتيب أولويات إرسال البيانات، بما يقلل الحاجة إلى نقل كميات ضخمة من البيانات الخام إلى المحطات الأرضية.

نحو قواعد فضائية مشتركة

وتتيح هذه التقنيات توفير بيانات أسرع وأكثر كفاءة في مجالات مثل رصد الكوارث الطبيعية، والاستجابة للطوارئ، والتخطيط العمراني، وإدارة الموارد، عبر معالجة جزء كبير من المعلومات داخل المدار قبل إرسال النتائج إلى الأرض.

وتشير مجمل التقارير إلى أن الصين تعمل على بناء منظومة فضائية متكاملة تشمل محطات مأهولة، وصواريخ تجارية، وكوكبات أقمار للحوسبة الفضائية، وأقمارا ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع تبني خطاب سياسي وقانوني يدعو إلى توسيع التعاون الدولي.

وفي المقابل، تؤكد مقالة هوان تشيو أن مرحلة ما بعد محطة الفضاء الدولية يجب ألا تؤدي إلى انقسام المدار الأرضي إلى معسكرات متنافسة، بل إلى نظام عالمي يقوم على معايير موحدة لتنظيم عمليات الالتحام، والإنقاذ الطارئ، وتفادي التصادم، وإدارة الحطام الفضائي.

وفي المحصلة، تبدو الصين عازمة على ترسيخ موقعها كمركز رئيسي للأنشطة الفضائية في العقود المقبلة، مستندة إلى مزيج من التقدم التقني، والتوسع في البنية التحتية الفضائية، والدعوة إلى قواعد دولية مشتركة تنظم مستقبل استكشاف الفضاء بعد انتهاء عصر محطة الفضاء الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى