آخر بوست

تآكل الحقيقة والتآكل الصامت للواقع المشترك

 

يشهد العالم اليوم تدفقًا غير مسبوق للمعلومات والبيانات، مدعومًا بتطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا، إلا أن هذا الاتساع في مصادر المعرفة ترافق مع تصاعد النقاشات حول موثوقية المعلومات وصعوبة التوصل إلى حقائق مشتركة بين أفراد المجتمع.

ويرى باحثون أن المشكلة لم تعد تكمن في نقص المعلومات، بل في تراجع تأثير الحقائق الموضوعية في تشكيل الرأي العام، وازدياد صعوبة الاتفاق على واقع مشترك يمكن البناء عليه في النقاشات العامة وصنع القرار.

من “ما بعد الحقيقة” إلى “تآكل الحقيقة”

برز خلال السنوات الماضية مفهوم “ما بعد الحقيقة” (Post-Truth)، الذي يشير إلى تزايد تأثير المشاعر والمعتقدات الشخصية في تشكيل المواقف، مقارنة بالحقائق الموضوعية.

إلا أن باحثين يرون أن مفهوم “تآكل الحقيقة” (Truth Decay) يقدم إطارًا أشمل لفهم هذه الظاهرة، إذ يركز على التغيرات التي طرأت على البيئة التي تُنتج فيها المعرفة وتُنقل إلى الجمهور، وليس فقط على سلوك الأفراد.

مؤشرات تراجع الثقة

ويحدد هذا المفهوم عدة مظاهر رئيسية، من أبرزها تراجع التوافق حول الحقائق، وتزايد الخلط بين الوقائع والآراء، وارتفاع تأثير الانطباعات الشخصية مقارنة بالمعلومات الموثقة، إلى جانب انخفاض الثقة بالمؤسسات المنتجة للمعرفة، مثل وسائل الإعلام والجامعات ومراكز الأبحاث.

ويرى مختصون أن هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى إضعاف الإحساس بوجود واقع مشترك، وهو ما ينعكس على النقاشات السياسية والاجتماعية.

اختلاف الروايات

ويشير خبراء إلى أن الاختلاف في تفسير الوقائع يعد أمرًا طبيعيًا في المجتمعات الديمقراطية، إلا أن التحدي يظهر عندما تختلف الأطراف حول الوقائع نفسها، وليس فقط حول تفسيرها.

ويبرز ذلك في تغطية الأحداث الكبرى، مثل الكوارث الطبيعية أو الأزمات الاقتصادية أو النزاعات الدولية، حيث قد تُعرض الوقائع ذاتها ضمن روايات متباينة تبعًا لاختلاف الزوايا الإعلامية أو السياسية.

دور الإعلام ووسائل التواصل

ويرى باحثون أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تسريع انتشار المعلومات، لكنها ليست العامل الوحيد في هذه الظاهرة، إذ يشيرون أيضًا إلى دور بعض وسائل الإعلام التقليدية في المزج بين الأخبار والآراء، إضافة إلى استخدام البيانات بصورة انتقائية في الخطاب السياسي.

كما يلفتون إلى أن الجمهور يميل في كثير من الأحيان إلى تصديق المعلومات التي تنسجم مع قناعاته المسبقة، وهو ما يعزز حالة الاستقطاب.

تراجع آليات التحقق

ويؤكد مختصون أن أحد أبرز التحديات يتمثل في تراجع دور التحقق من المعلومات داخل النقاش العام، حيث قد تتحول بعض الادعاءات المتداولة إلى قناعات راسخة لدى شريحة من الجمهور قبل التأكد من صحتها.

ويرون أن المشكلة لا ترتبط فقط بانتشار المعلومات الخاطئة، بل بتراجع الثقة في آليات التحقق ذاتها، ما يجعل التمييز بين الخبر الموثق والرأي أو الادعاء أكثر صعوبة.

تحدٍ للمجتمعات الديمقراطية

ويشير خبراء إلى أن الديمقراطيات لا تشترط اتفاق المواطنين في آرائهم، لكنها تعتمد على وجود أرضية مشتركة من الوقائع التي يستند إليها النقاش العام.

ويحذر باحثون من أن تراجع هذه الأرضية قد يؤدي إلى زيادة الاستقطاب، بحيث تصبح الأطراف المختلفة غير متفقة حتى على الحقائق الأساسية، وهو ما ينعكس على جودة الحوار وصنع السياسات.

ويرى مختصون أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز التفكير النقدي، ودعم المؤسسات المنتجة للمعرفة، وترسيخ ممارسات التحقق من المعلومات، بما يسهم في استعادة الثقة بالحقائق المشتركة التي تشكل أساس النقاش العام واتخاذ القرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى