تركيا

تركيا في حسابات الأمن الخليجي الجديد بعد حرب إيران

أعادت الحرب الأخيرة على إيران ملف الأمن الخليجي إلى واجهة النقاش السياسي والإستراتيجي، بعدما أظهرت التطورات الميدانية حدود الاعتماد الحصري على المظلة الأمنية الأمريكية، ودعت دول الخليج إلى البحث عن نموذج أمني أكثر تنوعًا يقوم على شراكات إقليمية أوسع، تبرز فيها تركيا باعتبارها لاعبًا عسكريًا وسياسيًا مؤثرًا يمكن أن يؤدي دورًا محوريًا في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

ورغم توقف العمليات العسكرية وبدء الهدنة، فإن تداعيات الصراع لا تزال تلقي بظلالها على المنطقة، بعدما كشفت الحرب عن ثغرات واضحة في المنظومة الأمنية التي اعتمدت عليها دول الخليج طوال العقود الأربعة الماضية، والتي ارتكزت بصورة أساسية على الضمانات الأمريكية.

واندلعت الحرب في 28 فبراير/شباط 2026 عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة استهدفت مواقع داخل إيران، لتتسبب المواجهات في خسائر اقتصادية ضخمة تجاوزت 700 مليار دولار في دول الخليج، إلى جانب أضرار لحقت بالمطارات والبنية التحتية المدنية، فضلاً عن حالة عدم اليقين التي خلفتها الهدنة الحالية، والتي لا ترقى إلى سلام دائم ولا تشكل أساسًا واضحًا لمفاوضات مستقرة، وفق تقرير نشرته الجزيرة نت.

هذه التطورات دفعت العديد من العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم المنظومة الأمنية القائمة منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، بعدما تبين أنها لم تعد قادرة على توفير الحماية الكافية في ظل بيئة إقليمية تتغير بسرعة، مع تصاعد أخطار الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف المرافق الحيوية التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي.

وفي ضوء ذلك، تتجه دول الخليج نحو التفكير في صياغة إطار أمني جديد يقوم على مفهوم الشراكة الإقليمية، بدلاً من الاعتماد على الحماية الخارجية فقط، مع فتح المجال أمام تعاون أوسع مع دول الجوار، بما في ذلك إيران، وفق أسس جديدة تراعي المصالح المشتركة.

ويستعرض التقرير آراء مجموعة من الخبراء والباحثين من الخليج وإيران والولايات المتحدة، الذين أجمعوا على أن المنطقة باتت أقرب إلى إدارة خلافاتها مع إيران بدلاً من السعي إلى إنهائها بصورة نهائية، مؤكدين أن نجاح أي منظومة أمنية جديدة يتطلب الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل العلاقات الخليجية الإيرانية، وحدود الدور الأمريكي، وطبيعة الترتيبات الأمنية التي يمكن أن تضمن استقرار المنطقة.

الأمن الخليجي أمام مرحلة مفصلية

اعتمدت دول الخليج طوال العقود الماضية على معادلة واضحة تقوم على توفير الأمن لضمان استمرار تدفق النفط، بما يضمن استقرار الاقتصادات الوطنية واستمرار النمو الاقتصادي. ولتحقيق ذلك، استثمرت هذه الدول في تحديث قدراتها العسكرية، وأبرمت اتفاقيات دفاعية مع قوى دولية، إلى جانب استضافة قواعد عسكرية أمريكية وأوروبية.

إلا أن الباحث العماني في الشؤون الإستراتيجية الدكتور عبد الله الغيلاني يرى أن هذه الإجراءات لم تكن كافية، مشيرًا إلى أن الحرب الأخيرة كشفت حجم الهشاشة الأمنية التي تعاني منها المنطقة.

ويعزو الغيلاني هذا الواقع إلى ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في غياب رؤية إستراتيجية موحدة بين دول الخليج، واستمرار الخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى هيمنة الولايات المتحدة على رسم السياسات الأمنية وفرض رؤيتها على الحلفاء بما لا ينسجم دائمًا مع مصالح المنطقة.

ويرى أن نتائج الحرب عكست هذه الثغرات بصورة واضحة، بعدما تكبدت دول الخليج خسائر اقتصادية هائلة، وشهدت قطاعات الطيران والسياحة والاستثمار والبنية التحتية أضرارًا كبيرة.

كما يحذر الباحث من استمرار ما يصفه بـ”العجز الإستراتيجي”، الذي يجعل المنطقة غير قادرة على مواجهة الضغوط القادمة من القوى الكبرى، سواء الولايات المتحدة أو إيران، لتتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية على حساب أمنها واستقرارها.

من جانبه، يوضح المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة الدكتور خالد الجابر أن دول الخليج، رغم ابتعادها عن المشاركة المباشرة في الحرب وحرصها على دعم الحلول الدبلوماسية، وجدت نفسها تتحمل جانبًا كبيرًا من تداعيات الصراع، سواء عبر تهديد الملاحة البحرية أو استهداف منشآت الطاقة والمطارات، الأمر الذي يؤكد أن أي مواجهة بين القوى الكبرى في المنطقة تتحول سريعًا إلى أزمة تمس الأمن الخليجي بشكل مباشر.

عندما يصبح الأمن مقابل المال

ويشير التقرير إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أوضح فيها أن الوجود الأمني الأمريكي في المنطقة لم يعد التزامًا مفتوحًا، وإنما أصبح خدمة ينبغي أن تتحمل الدول المستفيدة تكلفتها.

ويرى عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية سليمان العقيلي أن هذه التصريحات تعكس تحولًا حقيقيًا في العقيدة الأمريكية، وليست مجرد مواقف مرتبطة بالانتخابات، موضحًا أن واشنطن باتت تنظر إلى الحماية الأمنية باعتبارها خدمة مدفوعة الثمن، لا التزامًا دائمًا.

ويضيف أن الإدارة الأمريكية ربطت استمرار المظلة الأمنية بمساهمات مالية كبيرة قد تصل إلى 20% من إيرادات المنطقة في بعض السيناريوهات، وهو ما يمثل تغييرًا جذريًا في المعادلة التي حكمت العلاقة بين الخليج وواشنطن منذ عام 1991، والتي قامت على شراء الأسلحة واستضافة القواعد العسكرية مقابل ضمانات أمنية مستقرة.

ويؤكد العقيلي أن تحويل الأمن إلى سلعة قابلة للتفاوض المالي يفقده قيمته الردعية، ويفتح المجال أمام تنافس الدول على شراء الضمانات الأمنية، بدلًا من بناء منظومة دفاعية مشتركة.

وفي المقابل، يرى المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية ديفيد دي روش أن الولايات المتحدة لا تزال تمثل الضامن الأمني الأكثر موثوقية لدول الخليج، إلا أنه يعتقد أن الحديث عن إطار أمني جديد لا يعني إنهاء الشراكة مع واشنطن، وإنما تطويرها من خلال تسريع تسليم الأسلحة، ورفع القيود المفروضة على بعض الأنظمة القتالية، بما يمنح دول الخليج قدرة أكبر على الدفاع عن مصالحها بصورة مستقلة.

كما يتوقع أن تتجه دول الخليج خلال المرحلة المقبلة إلى تنويع مصادر التسليح عبر تعزيز التعاون مع دول مثل كوريا الجنوبية وباكستان وبولندا، لتقليل الاعتماد على المورد الأمريكي الوحيد، والاستفادة من الدروس التي أفرزتها الحرب الأخيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى