آخر بوست

المطلوب الذي أرعب قارة بأكملها.. كيف انتهت أسطورته؟

لم تولد واحدة من أخطر العصابات في أمريكا اللاتينية في أحياء فقيرة أو على طرق التهريب الممتدة بين الحدود، بل خرجت من مكان يفترض أن يكون نهاية الجريمة لا بدايتها: سجن فنزويلي تحول إلى دولة مصغرة يديرها سجين نافذ، ومن خلف أسواره نشأت شبكة إجرامية امتدت من فنزويلا إلى مختلف أنحاء القارة، قبل أن تضع قدمها في الولايات المتحدة.

إنها قصة عصابة “ترين دي أراغوا”، التنظيم الذي ارتبط اسمه بالقتل والخطف والابتزاز والاتجار بالبشر وتهريب المخدرات، والذي وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه من أكثر العصابات وحشية في العالم. وبعد سنوات من المطاردة، عاد اسم العصابة إلى الواجهة مجددًا مع إعلان مقتل مؤسسها وزعيمها هيكتور روستنفورد غيريرو فلوريس، المعروف باسم “نينيو غيريرو”.

من مجرم صغير إلى زعيم إمبراطورية

في ولاية أراغوا شمالي فنزويلا، ولد نينيو غيريرو عام 1983. لم يكن اسمه معروفًا خارج الأوساط الإجرامية في بداياته، إذ انخرط في عمليات سرقة وتجارة مخدرات محدودة قبل أن تعتقله السلطات عام 2010.

لكن ما بدا نهاية لمسيرته الإجرامية تحول إلى بداية مرحلة أكثر خطورة. فداخل سجن “توكورون”، لم يتصرف غيريرو كسجين عادي، بل بدأ ببناء شبكة نفوذ واسعة مكّنته تدريجيًا من السيطرة على السجن وتحويله إلى مقر قيادة فعلي لعصابته الناشئة.

ومع مرور الوقت، أصبح “توكورون” أشبه بمدينة مستقلة لا بسجن. ضم مطاعم وملاعب ومرافق ترفيهية ومساكن فاخرة، بل وحتى حديقة حيوانات صغيرة، في مشهد عكس حجم السلطة التي راكمها الرجل خلف القضبان.

وبحسب تقارير أمنية، لم تعد سلطة الدولة هي الحاكمة داخل السجن، بل سلطة العصابة نفسها. هناك كان نينيو غيريرو يفرض القوانين، ويصدر الأوامر، ويدير شبكة إجرامية آخذة في التوسع، لتولد من داخل الزنازين عصابة “ترين دي أراغوا”، التي استمدت اسمها من الولاية التي نشأت فيها.

من سجن فنزويلي إلى شبكة عابرة للحدود

لم تبق العصابة محصورة داخل فنزويلا طويلًا. فمع موجات الهجرة الواسعة والأزمات الاقتصادية التي شهدتها البلاد، وجدت “ترين دي أراغوا” فرصًا للتوسع خارج الحدود.

وسرعان ما انتشرت خلاياها في كولومبيا والبيرو وتشيلي والإكوادور، حيث تنوعت أنشطتها بين تهريب المخدرات والاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين وغسل الأموال وعمليات الخطف والابتزاز.

ومع توسع نفوذها الإقليمي، بدأت أجهزة الأمن الأمريكية ترصد وجودًا متزايدًا لعناصر مرتبطة بالتنظيم داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي نقل العصابة من ملف أمني إقليمي إلى قضية ذات أبعاد دولية.

العصابة التي دخلت الخطاب السياسي الأمريكي

في مدينة أورورا بولاية كولورادو، أثارت تقارير أمنية عن جرائم نُسبت إلى عناصر مرتبطة بالعصابة حالة من الجدل، بعد الحديث عن تورطهم في سرقات منظمة وعمليات خطف وابتزاز وتجارة مخدرات.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد اسم “ترين دي أراغوا” مجرد ملف جنائي، بل تحول إلى قضية سياسية داخل الولايات المتحدة.

ومع عودة دونالد ترامب إلى المشهد الانتخابي، أصبحت العصابة أحد أبرز الأمثلة التي استخدمها في خطاباته المتعلقة بالهجرة والأمن. وكما ركز في السابق على عصابة “إم إس-13″، قدم “ترين دي أراغوا” باعتبارها نموذجًا للخطر العابر للحدود، واصفًا إياها بأنها تهديد مباشر للأمن الأمريكي.

الهروب الكبير

في عام 2023، قررت السلطات الفنزويلية إنهاء نفوذ العصابة داخل معقلها الرئيسي. وأطلقت عملية أمنية ضخمة شارك فيها أكثر من 11 ألف عنصر من الجيش والشرطة لاقتحام سجن “توكورون” واستعادة السيطرة عليه.

لكن المفاجأة كانت أن الهدف الأهم للعملية لم يكن موجودًا.

فقد اختفى نينيو غيريرو قبل ساعات فقط من بدء الاقتحام، وسط تكهنات وتساؤلات حول كيفية تمكنه من الفرار من أكثر المواقع الأمنية مراقبة في البلاد.

وبينما استعادت الدولة السيطرة على السجن، بقي الرجل الأكثر مطاردة في فنزويلا طليقًا، يدير شبكته من أماكن مجهولة ويواصل التنقل بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية.

مطاردة انتهت في الكاريبي

في عام 2024 رفعت الولايات المتحدة مستوى ملاحقتها لزعيم العصابة، ورصدت مكافآت مالية مقابل أي معلومات تؤدي إلى القبض عليه، بالتزامن مع توسيع التعاون الاستخباراتي مع دول المنطقة.

ورأت واشنطن أن مواجهة التنظيم لا يمكن أن تقتصر على اعتقال عناصره، بل تتطلب استهداف البنية القيادية التي تدير شبكة تمتد عبر عدة دول.

وبعد سنوات من التتبع وجمع المعلومات، أعلنت الولايات المتحدة في 13 يونيو/حزيران 2026 مقتل نينيو غيريرو خلال عملية مشتركة نفذتها القيادة الجنوبية الأمريكية بالتنسيق مع السلطات الفنزويلية.

ووفق الرواية الأمريكية، استهدفت العملية موقعًا في منطقة الكاريبي كان يتحصن فيه زعيم العصابة، ونُفذت بسرعة كبيرة لمنع تكرار سيناريو هروبه الشهير من سجن توكورون.

هل انتهت القصة؟

بسقوط نينيو غيريرو، انتهى فصل مهم في تاريخ واحدة من أخطر الشبكات الإجرامية في أمريكا اللاتينية. لكن مقتل الرجل لا يعني بالضرورة انتهاء التنظيم الذي أسسه.

فالعصابات العابرة للحدود لا تقوم عادة على شخص واحد، بل على شبكة واسعة من المصالح والخلايا والقيادات المحلية التي تواصل العمل حتى بعد غياب مؤسسيها.

ولهذا يبقى السؤال مفتوحًا: هل كان نينيو غيريرو العقل المدبر الذي لا يمكن تعويضه، أم أن “ترين دي أراغوا” تجاوزت مرحلة الاعتماد على زعيم واحد، وأصبحت منظمة قادرة على البقاء حتى بعد سقوط مؤسسها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى