سوريا

سوريا وخياراتها المفتوحة خارج معادلة الحرب والتطبيع

أثارت جولة التفاوض المباشر الأخيرة التي عُقدت في باريس بين سوريا ودولة الاحتلال الإسرائيلي جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية. وقد انقسم هذا الجدل بين من رأى في الخطوة مدخلًا إلى التطبيع المرفوض، وبين من دافع عنها باعتبارها خيارًا اضطراريًا فرضته الظروف. وتركّز خطاب المدافعين على جملة من النقاط، أبرزها اعتماد الرواية الأمريكية بشأن مخرجات اللقاء، ونفي توصيف ما جرى كتطبيع، ووضع المسار التفاوضي في إطار “الضرورة” بوصفه بديلًا عن الحرب، فضلًا عن تحميل الرافضين مسؤولية غياب البدائل.

في هذا السياق، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانًا ثلاثيًا مشتركًا حول نتائج اللقاء، قامت السفارة الأمريكية في دمشق بنشره باللغة العربية. وفي ظل غياب أي موقف رسمي سوري – سواء من الرئاسة أو وزارة الخارجية – يؤكد أو ينفي أو يفسّر أو يعدّل ما ورد في البيان، يصبح هذا الأخير بحكم الواقع المرجعية الوحيدة المتاحة لتقييم ما جرى، ومصدرًا معتمدًا لاستخلاص الدلالات السياسية للمسار التفاوضي.

أما مسألة التطبيع، فلا يمكن اختزالها بإقامة علاقات دبلوماسية رسمية فحسب، بل تتجاوز ذلك – وفق التعريف المستقر منذ عقود – إلى أي تعامل “طبيعي” مع دولة الاحتلال، بما ينطوي عليه من اعتراف ضمني أو تعاون مباشر أو غير مباشر. وفي هذا الإطار، يلفت البيان الثلاثي إلى إنشاء “آلية دمج مشتركة” أو “خلية اتصال مخصصة” تهدف إلى تسهيل التنسيق الفوري والمستمر في مجالات تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، وحتى “الفرص التجارية”. وهذا التوصيف لا يعكس حالة تواصل عابر بين طرفين في حالة صراع، بل يوحي بوجود، أو على الأقل بتأسيس، علاقات تنسيق وتعاون تتجاوز منطق العداء وعدم الاعتراف.

ورغم أن كل ما سبق يجري في ظل حرب إبادة متواصلة في قطاع غزة، بما يحمله ذلك من دلالات أخلاقية وسياسية بالغة السلبية، فإن تقييم هذا المسار سيقتصر هنا على زاوية المصلحة السورية البحتة.

ومن هذا المنطلق يبرز السؤال الجوهري: هل يخدم هذا المسار التفاوضي المصالح الاستراتيجية لسوريا؟

الإجابة، في ضوء المعطيات القائمة، هي بالنفي. إذ يأتي هذا المسار في ظل عقيدة أمنية إسرائيلية جديدة تشكّلت بعد السابع من أكتوبر، تقوم على تصفية أي تهديد محتمل خارج الحدود، وعدم انتظار تشكّله أو احتوائه لاحقًا. ووفق هذه الرؤية، أقدمت إسرائيل على إلغاء اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 من طرف واحد، ووسّعت من اعتداءاتها عبر تدمير قدرات وأصول الدولة السورية، وتعميق احتلالها لأراضٍ إضافية، مع استمرار انتهاك السيادة السورية بشكل منهجي.

إلى ذلك، دخلت دمشق هذا المسار من موقع ضعف واضح، في أعقاب الاعتداءات والانتهاكات المشار إليها، ومن دون امتلاك أوراق قوة فعلية. كما تم التفاوض بوساطة الإدارة الأمريكية، وهي طرف منحاز بالكامل لدولة الاحتلال، وشارك ولا يزال يشارك في العدوان على المنطقة بأسرها، ناهيك عن تصريحات رئيسها العلنية التي تباهى فيها بـ“منح الجولان لإسرائيل”، وتحدّث خلال حملته الانتخابية عن “ضيق مساحة إسرائيل” وضرورة توسيعها.

وبما أن منطق التفاوض يقوم، في جوهره، على تبادل التنازلات وفق ميزان القوى والتوقيت والسياق ودور الوسطاء، فإن المسار الحالي يبدو بعيدًا كل البعد عن تحقيق الأهداف السورية المعلنة، وفي مقدمتها العودة إلى اتفاق فض الاشتباك أو صيغة مشابهة له، تضمن استعادة الوضع القائم قبل الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ووقف التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا عند النظر إلى التصريحات الرسمية الإسرائيلية، قبل جولة باريس وبعدها، والتي تتحدث صراحة عن البقاء في جبل الشيخ، وترسيخ السيطرة الدائمة على الجولان، بل والانتقال إلى مشاريع استيطانية في الجنوب السوري.

أما الرهان على أن التفاوض مع إسرائيل قد يحدّ من عدوانها أو يوقف تدخلها في الداخل السوري، فقد أثبت الواقع مرارًا وتكرارًا عكس ذلك. فقد استهدفت إسرائيل مبنى رئاسة الأركان والقوات السورية في السويداء، بذريعة “حماية الدروز”، عقب جولة تفاوض سابقة، كما توغلت قواتها في القنيطرة بعد الجولة الأخيرة في باريس.

ولعل الأهم أن البيان الثلاثي ذاته لا يتضمن أي إشارة إلى إنهاء الاحتلال أو الانسحاب أو حتى العودة إلى ما قبل سقوط نظام الأسد كهدف أو سقف للمسار التفاوضي. بل يكتفي بعبارات عامة من قبيل “احترام سيادة سوريا واستقرارها” و“أمن إسرائيل” و“تحقيق الازدهار لكلا البلدين”. في المقابل، يجري التأكيد على أن “آلية الدمج” ستكون منصة لمعالجة أي خلافات مستقبلية ومنع سوء الفهم، بما يوحي بإدارة النزاع لا إنهائه، وتجاوز الانتهاكات القائمة بدل معالجتها.

ويبقى السؤال الأخير: هل يشكّل هذا المسار التفاوضي خيارًا اضطراريًا لا بديل عنه سوى الحرب الشاملة؟

ابتداءً، فإن مطالبة من ينتقد مسارًا خاطئًا بتقديم بديل جاهز تمثل مغالطة منطقية مزدوجة؛ فالخطأ يبقى خطأ حتى في غياب البديل، كما أن مسؤولية البحث عن الحلول تقع على عاتق صاحب القرار الذي يمتلك المعلومات والأدوات، لا على المنتقدين.

ومع ذلك، فإن الحرب المفتوحة مع دولة الاحتلال في الظروف الراهنة غير ممكنة عقلًا ومنطقًا وقدرات، ولا يدعو إليها عاقل. غير أن سوريا ليست محصورة بين ثنائية التطبيع أو الحرب. المطلوب ليس شن حرب اليوم، بل مواجهة الاحتلال، والفارق بين المفهومين جوهري. فالمواجهة تبدأ بتوصيف إسرائيل كدولة احتلال لأراضٍ سورية، والعمل المنهجي على إنهاء هذا الاحتلال.

وتنطلق هذه المواجهة من رؤية واضحة، تُبنى عليها استراتيجيات تتجنب الصدام العسكري المباشر في ظل اختلال موازين القوى. وتشمل هذه الاستراتيجيات تعزيز الجبهة الداخلية سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا، وبناء أوراق قوة حقيقية، بما فيها التسلح، ونسج تحالفات إقليمية ودولية، وتفعيل المسارات السياسية والقانونية، وتعميق التعاون مع الحلفاء، فضلًا عن خيارات أخرى قد تبرز لاحقًا، مثل المقاومة الشعبية أو الاستنزاف طويل الأمد.

قد يقال إن هذه الخيارات لن تعيد الجولان ولن تُنهي الاحتلال فورًا، وهذا صحيح. لكن مسار التفاوض الحالي لن يفعل ذلك أيضًا، بل يمنح شرعية غير مباشرة للوضع القائم، ويعيد تعريف إسرائيل كـ“دولة جوار” بدل كيان محتل، في تكرار لوهم “أوسلو”. أما مسار المواجهة، فيُبقي توصيف الاحتلال قائمًا، ويُراكم الضغط عليه بدل تطبيعه.

كما أن المواجهة العسكرية التي يُفترض أن التفاوض سيجنب سوريا إياها، قائمة بالفعل، ومن الخطأ تجاهلها أو إنكارها. بل إن المؤشرات تدل على احتمال توسعها مستقبلًا في ظل العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة.

لن تترك إسرائيل سوريا وشأنها، ولن تسمح لها بالاستقرار أو التنمية، وستواصل العمل على إضعافها وربما تفكيكها إن استطاعت، مع الاستمرار في العبث بداخلها. وتجارب التفاوض السابقة تثبت أن إسرائيل تسعى دائمًا إلى انتزاع تنازلات دون تقديم مقابل حقيقي، ثم تحويل هذه التنازلات إلى منطلق لجولات تفاوضية جديدة، بما يكرّس الأمر الواقع. فكيف الحال اليوم، وحكومة نتنياهو تتعامل مع مشروع “إسرائيل الكبرى” بوصفه برنامجًا عمليًا؟

قد تراهن القيادة السورية على كسب الوقت أو تحييد إسرائيل مؤقتًا، أو تجنب مواجهة مباشرة أثناء معالجة الأزمات الداخلية، غير أن ذلك لن يغيّر من جوهر المسار ونتائجه. فالمواجهة فرضتها إسرائيل وتتحكم بإيقاعها، ومن الخطأ – بل الخطيئة – ترك هذا الخيار لها وحدها أو التظاهر بعدم وجوده.

لقد سعت أطراف عديدة في المنطقة إلى تجنب المواجهة مع إسرائيل، لكنها تعرّضت لهجومها في التوقيت والسقف اللذين اختارتهما هي. وسوريا ليست استثناءً. ومن هذا المنطلق، فإن الحرص الحقيقي على سوريا يقتضي رفض التطبيع، والتحذير من مخاطر المسار التفاوضي الراهن، والتنبه إلى أن المسار الحقيقي للمواجهة لا يزال خيارًا اليوم، لكنه قد يتحول إلى اضطرار غدًا، بفعل السياسات الإسرائيلية ذاتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى