تركيا

المشاهد الزائفة وروح العالم الغائبة إلى أين يتجه الإنسان

لنلقِ الضوء على أربع صور تُقدَّم لنا بوصفها اختصارًا لمجرى العالم اليوم علّنا نرى أنفسنا ومصيرنا عن قرب.

الصين يُقال إنها حققت قفزة كبرى بإنتاج طاقة شمسية صناعية
روسيا تُصوَّر على أنها على وشك الانقضاض على أوروبا في أي لحظة
أوروبا تبدو منكمشة مترددة تفكر بقلق في كيفية الرد على هجوم محتمل
ترامب يظهر بمظهر المنتصر يتصرف كقائد غالب يهوّن كل شيء ويتباهى وكأنه سيد العالم

لكن هذه الصور الأربع ليست سوى مشاهد مُصطنعة ما نراه فيها ليس الحقيقة بل شذرات منها فقط وبذلك نعجز عن إدراك الاتجاه الحقيقي الذي يسير فيه العالم

أين روح العالم

إذا قورنت هذه المشاهد بأفكار هيجل سنجد أنها لا تُظهر سوى لاعبي صراع القوة العالمي ولا تعكس روح العالم الحقيقية بأي شكل روح العالم ليست هذه الكيانات ولا هذه العناوين روح العالم نحن لكننا للأسف غائبون

والأخطر أننا نختفي في اللحظة التي يحتاجنا فيها العالم أكثر من أي وقت مضى يحتاجنا كما يحتاج الخبز والماء في زمن قيامة يجاور العدم ومع ذلك نغيب

مفتاح قدرة الإنسانية على إقامة علاقة صادقة مع الحقيقة ومع ذاتها ومع العالم ومع الآخرين موجود بين أيدينا لكننا غائبون تمامًا

كما قلت دائمًا هناك كلمة واحدة يجب أن تُقال للعالم ونحن من يجب أن يقولها لكننا غير موجودين ولو كنا مجرد غياب لما كان الحزن يرهقني إلى هذا الحد لكننا لا نغيب فقط بل نختفي

هل الصين قادمة حقًا قد يردد البعض ذلك لكن يجب أن يُدركوا أن الصين لا تأتي كمسيح ولا كمُنقذ ولن تهب العالم عدلًا أو رحمة أو إنصافًا ولن تفتح طريقًا جديدًا للبشرية ولن تُخرجها من المأزق أو الدوامة التي تدور فيها ولن تكون قوة تبعث روحًا في الإنسانية

الصين تزداد رأسمالية تمتص المخدر وتعود إلى تناول الأفيون وتخضع لرسملة وحشية ستغفو عليها ثم تبتلعها فالرأسمالية لا تحمل لها فكرة حضارية جديدة بل تمنحها أفيون النوم وإنكار الذات وكل محاولات إنكار الثقافة في التاريخ انتهت بانتحار ثقافي

انظروا إلى الحضارة الهندية حين انتقلت من الفيدا إلى الأوبانيشاد لم تكن تدرك أنها طعنت روحها في الصميم ألغت طقوسها الحقيقية وهي المجال الوحيد الذي يتجسد فيه جوهر الدين وروحه وعندما تُلغى الطقوس الحقيقية لا بد من اختراع بدائل زائفة لاحقًا

وكذلك إذا أُلغي الإيمان بالله لا يتأخر اختراع آلهة زائفة يكفي أن نتأمل آلهة الثورة الفرنسية أو الثورة الروسية التي صُنعت كمسيح علماني

نحن اليوم في ذروة الهيكلية
انظروا إلى الثورة الكمالية وإلى النقطة المأساوية التي وصلنا إليها حيث بلغنا قمة عبادة الهيكل الإيديولوجيا التي ألغت الدين تحولت إلى دين زائف مغرٍ تُدرَّس طقوسه للأطفال في المدارس وإذا استمر هذا المسار ستتحول المدارس إلى هياكل علمانية والجميع سيغدو عبدًا للهيكل

كما قال بودريار ظهر شكل قاتل من الهيكلية قاتل بمعنى مميت هيكلية تُفقد العقل توازنه وتنتج طقوسًا زائفة وتُجبر على إعادة إنتاجها باستمرار عبر تعريف ذاتها من خلال النقيض

لا يمكن فهم النقيض إلا بمثال وإلا بقيت قوانين الهيكلية متربصة بكل من يحاول النظر في صامصون في خطوة أولى ثم أخيرة دار الناس حول تمثال في طقس يشبه الطواف
حدث هذا فعلًا في هذا البلد

وفي الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلينا وإلى قيمنا في العدالة والإنصاف والرحمة لنقدمها بوصفها مشروعًا حضاريًا نسير نحن في مسارات مأساوية وساخرة تقود إلى الانتحار والاختفاء

لكن هذه الصورة ستُسجل في التاريخ بوصفها وهمًا إذا استطعنا أن نتعرف إلى روحنا وأن نعرفها حقًا وأن نتهيأ بها بصدق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى