العالم

من الناتو إلى نيودلهي.. كيف ضاعت أوروبا بين ترامب وروسيا والصين؟

يرى الكاتب والمحلل التركي سليمان سيفي أوغون في مقاله المنشور في صحيفة يني شفق أن عودة دونالد ترامب إلى الحكم أحدثت تصدعًا عميقًا في البنية الأطلسية التي ربطت الولايات المتحدة بأوروبا منذ نهاية الحرب الباردة، وأن هذا التحول دفع القارة الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، إلى وضع جيوسياسي واقتصادي بالغ الهشاشة.

يوضح الكاتب أن حلف حلف شمال الأطلسي فقد مبرر وجوده الأصلي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لكنه استمر عبر عمليات متفرقة وتحالفات ظرفية. ورغم ما أصابه من فترات ركود وشكوك حول جدواه، واصل الحلف التوسع حتى في مرحلة غياب العدو التقليدي، وهو ما اعتبره تناقضًا بنيويًا.

وبحسب الطرح، أعاد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إحياء دور الناتو عبر إعادة تموضع روسيا كخصم مركزي، وجاءت حرب روسيا وأوكرانيا لتمنح الحلف مهمة جديدة وتعيد توحيد أوروبا خلف قيادة أنغلوسكسونية. هذا المسار أعاد تعبئة البنية الأطلسية وأخرجها من حالة الجمود.

لكن التحول الحاد جاء مع عودة ترامب، الذي اتجه نحو تفاهمات مع روسيا وتخلى عن مسار التصعيد السابق، ما أدى إلى ترك الاستثمارات السياسية والعسكرية المرتبطة بأوكرانيا معلّقة، ووضع أوروبا في حالة فراغ استراتيجي مفاجئ. ويشبّه الكاتب وضع أوروبا القارية بأنها أصبحت كيانًا أُخرج فجأة من بيئته الحيوية.

يركز المقال بشكل خاص على ألمانيا بوصفها المحرك الصناعي لأوروبا، موضحًا أن قوتها التاريخية ارتبطت بالتفوق الصناعي والتقني، لكن نقطة ضعفها المزمنة كانت في الطاقة. فقد عالجت هذه المشكلة سابقًا عبر التقارب مع روسيا للحصول على طاقة رخيصة، وبمحاولات التوسع في الطاقة النووية، قبل أن تتراجع تحت ضغط التيارات البيئية وتغلق مفاعلاتها.

ويعتبر الكاتب أن أزمة أوكرانيا والعقوبات وسياسات الطاقة دفعت ألمانيا إلى خيارات مكلفة، مثل التخلي عن الغاز الروسي الرخيص والاتجاه إلى الغاز المسال الأعلى تكلفة، إضافة إلى شراء الطاقة بطرق غير مباشرة عبر وسطاء مثل الهند. كما يشير إلى أن تخريب خط نورد ستريم شكّل ضربة استراتيجية قبلت بها برلين رغم أضرارها العميقة على الاقتصاد الألماني.

في المقابل، يلفت إلى أن الصين تقدمت بسرعة في مجالات الهندسة والتقنيات الجديدة، وتمكنت من دخول الأسواق الأوروبية بقوة، بحيث تحولت من سوق تستهدفه أوروبا إلى منافس يهيمن على قطاعات صناعية متقدمة داخلها.

ويرى أن التحركات الأوروبية والبريطانية الأخيرة نحو الصين والهند، وكذلك مسارات التعاون الجديدة، لا تمثل حلولًا استراتيجية متماسكة، بل تعكس حالة ارتباك داخل نظام غربي فقد مركز ثقله الأميركي. كما يقرأ محاولات كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة البحث عن مخارج منفصلة على أنها دليل تباعد إضافي داخل الكتلة الغربية.

ويخلص أوغون إلى أن ما يجري ليس إعادة توازن منظم، بل حالة انجراف وتخبط في بنية دولية تتغير بسرعة، حيث يتراجع التماسك الأطلسي بينما تتقدم قوى آسيوية لإعادة صياغة قواعد المنافسة العالمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى