سوريا موحّدة وتركيا بلا إرهاب: دلالات ما بعد اتفاق «قسد»
ناقش مقال للكاتب والباحث الفلسطيني سعيد الحاج اتفاق الاندماج ووقف إطلاق النار بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية من زاوية المصالح والأولويات التركية، معتبرا أن نتائجه وتداعياته لا تقل أهمية لأنقرة عنها لدمشق.
ويحلل الحاج، في مقاله المنشور على موقع الجزيرة نت، السياقين الميداني والسياسي اللذين سبقا الاتفاق، مبرزا الدور التركي المباشر وغير المباشر في إنضاجه عسكريا واستخباراتيا ودبلوماسيا، في ظل تراجع الحماية والدعم الأميركيين لقوات «قسد».
كما يسلط الضوء على جملة من المكاسب الاستراتيجية والتكتيكية التي حققتها تركيا، وفي مقدمتها إضعاف مشروع «قسد»، وتعزيز وحدة الأراضي السورية، وتقليص هوامش التدخل الخارجي، وربط الاتفاق بمسار مشروع «تركيا بلا إرهاب».
ويرى الحاج أن الاتفاق المعلن بين الدولة السورية، ممثلة بالرئيس أحمد الشرع، وقوات سوريا الديمقراطية، ممثلة بقائدها مظلوم عبدي، يشكل انتصارا سياسيا وميدانيا مهما لدمشق وخطوة متقدمة على طريق توحيد البلاد وتعزيز قوتها، لكنه في الوقت ذاته يحمل دلالات لا تقل وزنا بالنسبة لتركيا، التي تعد أحد أبرز الأطراف المعنية بمآلات هذا الملف.
الدور التركي في إنضاج الاتفاق
في الثامن عشر من يناير/كانون الثاني الجاري، أعلنت الرئاسة السورية توقيع ما سمته «اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل» لقوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وجاء الاتفاق عقب تطورات ميدانية متسارعة في مناطق سيطرة «قسد» غرب نهر الفرات ثم شرقه، حيث تراجعت سيطرتها خلال أيام معدودة على مساحات جغرافية واسعة، وعلى مواقع ديمغرافية حساسة، إضافة إلى آبار النفط والغاز.
وتضمن الاتفاق أربعة عشر بندا، تنص في جوهرها على وقف فوري وشامل لإطلاق النار، ودمج المؤسسات المدنية ضمن مؤسسات الدولة، ودمج مقاتلي «قسد» في الجيش السوري بشكل فردي، وتسليم المعابر الحدودية، وعودة النازحين إلى مناطقهم.
ورغم أن الاتفاق جاء ثمرة مباشرة للتطورات الميدانية التي صنعها العامل السوري المحلي، من جيش وعشائر، فإن الحاج يؤكد أن البعد الخارجي لا يقل أهمية، خاصة أن مشروع «قسد» تأسس أصلا على دعم خارجي سياسي وعسكري.
وفي هذا السياق، يبرز تغير الموقف الأميركي الذي لم يعد حاسما كما كان في السابق لمنع المواجهة العسكرية، إلى جانب الدور التركي الداعم الأكبر لدمشق، والذي تبلور عبر مسارات عسكرية واستخباراتية ودبلوماسية متوازية.
أولوية تركية عليا
يذهب الحاج إلى أن أولوية تركيا في عام 2026 تتمثل في إنهاء الملف الكردي داخليا وإقليميا، واستكمال الخطوات الدستورية والقانونية والسياسية لمشروع «تركيا بلا إرهاب»، بالتوازي مع التعاون مع دمشق لدمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية.
ويشير إلى أن هذا المسار مر بمحطات مفصلية، أبرزها إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه ووقف عملياته ضد تركيا والانخراط في العمل السياسي، إضافة إلى العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا التي قوضت إلى حد كبير فرص قيام كيان سياسي لـ«قسد» المرتبطة عضويا بالحزب.
ويؤكد أن الموقف التركي كان واضحا منذ سقوط نظام الأسد، ويتمثل في ضرورة إنهاء مشروع «قسد» سواء بصيغته التقسيمية أو اللامركزية، أولا عبر حوار سوري – سوري، وإن تعذر فبالقوة عبر الجيش السوري، وإن لزم الأمر بمشاركة عسكرية تركية مباشرة.
ورغم مباركة أنقرة للاتفاق، فقد شددت على ضرورة التطبيق الكامل والشامل له، محذرة من المماطلة والمناورة. ويلاحظ الحاج أن هذه التحذيرات كانت في محلها، إذ عادت قيادة «قسد» لاحقا إلى خطاب اللامركزية ولم تلتزم بالتنفيذ العملي للاتفاق.
ومع انتهاء مهلة الاتفاق نهاية العام الماضي، تكثفت الزيارات التركية رفيعة المستوى إلى دمشق، وكان ملف «قسد» البند الأول في جميع اللقاءات، في ظل قناعة تركية بأن تأجيل الحسم ينطوي على مخاطر وتطورات غير محسوبة.
دور عسكري واستخباراتي ودبلوماسي
ورغم أن أنقرة لم تظهر علنا في واجهة العمليات العسكرية الأخيرة، فإن الوقائع – بحسب الحاج – تشير إلى أنها كانت في صلب عملية اتخاذ القرار والتنفيذ.
فتركيا هي الداعم الأكبر للقيادة السورية الجديدة، وتتقاطع معها في الرؤية بشأن ملف «قسد»، وهو ما انعكس في تغير نبرة الرئيس السوري خلال حديثه عن «قسد»، عبر التركيز على حزب العمال الكردستاني، والعناصر غير السورية، والمشروع المدعوم خارجيا.
ويكشف الحاج أن أنقرة زودت دمشق بمعلومات استخباراتية ساعدت في توجيه التحركات الميدانية وحمايتها، مستفيدة من خبرتها الطويلة مع حزب العمال الكردستاني و«قسد»، ومن وجودها العسكري المباشر في شمال سوريا منذ عام 2016، ومن قدراتها الاستطلاعية، ولا سيما عبر الطائرات المسيرة.
كما تشير معطيات عدة إلى مساهمة تركيا في تسليح الجيش السوري بأسلحة لعبت دورا حاسما خلال الأيام الأخيرة من المواجهات.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، نشطت أنقرة، عبر وزير خارجيتها هاكان فيدان، في بناء شبكة أمان سياسية إقليمية ودولية للعملية، ولا سيما مع الإدارة الأميركية الداعم الأكبر لـ«قسد».
وكان لافتا اقتراح فيدان عقد اجتماع ثلاثي في البيت الأبيض يضم نظراءه السوري والأميركي خلال زيارة الشرع إلى واشنطن، لبحث مصير «قسد». كما اجتمع فيدان مع السفير الأميركي في أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا توم براك قبل الاتفاق بأيام قليلة، في ما اعتبر تمهيدا أوليا لصيغته النهائية.
مكاسب استراتيجية وتكتيكية
يرى الحاج أن ما أفرزته التطورات الميدانية والاتفاق المعلن ينطوي على مكاسب استراتيجية ثقيلة الوزن لتركيا.
فالضربة التي تلقاها مشروع «قسد» أضعفت بنيته الداخلية والخارجية، وقلصت قدراته العسكرية وحضوره السياسي وتموضعه الميداني، في مقابل تعزيز حضور الدولة السورية سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا في شمال البلاد، وترسيخ وحدة الأراضي السورية، وهو ما يعد مصلحة جوهرية لأنقرة.
ويضيف أن الاتفاق يحمل رسالة ردع لأطراف سورية أخرى قد تفكر في مشاريع انفصالية تراهن على التدخل الخارجي، ولا سيما من «إسرائيل»، التي باتت في خصومة واضحة مع أنقرة وفي مواجهة غير مباشرة معها في الساحة السورية.
وبذلك يضيق الاتفاق هامش التدخل الإسرائيلي في سوريا، ويخفف الضغوط عن دمشق وأنقرة معا، ويعزز أوراق قوتهما في أي مواجهة سياسية أو أمنية لاحقة.
كما أن الاتفاق، بصيغته الحالية، يساهم إيجابيا في مسار حل المسألة الكردية داخل تركيا ضمن مشروع «تركيا بلا إرهاب»، خاصة أن العمليات العسكرية كانت سريعة ولم تتسبب بخسائر مدنية كبيرة كان يمكن أن تفجر توترات داخلية.
ويبرز الحاج بنودا تمثل مصلحة تركية مباشرة، من بينها دمج عناصر «قسد» في الجيش السوري بشكل فردي لا جماعي، وتسليم المعابر الحدودية للحكومة السورية، وإنهاء المظاهر العسكرية في عين العرب/كوباني، وإبعاد العناصر غير السورية المنتمية لحزب العمال الكردستاني، بما يشكل اعترافا موثقا بوجود هذه العناصر داخل بنية «قسد».
مرحلة متقدمة لا نهاية المسار
يخلص الحاج إلى أن الاتفاق يمثل مصلحة سورية – تركية مشتركة، خصوصا أنه جاء نتيجة ضغط ميداني مباشر على «قسد»، مؤكدا صحة مقولة فيدان بأن «قسد» لا تنفذ الاتفاقات إلا مرغمة.
ويرى أن ما جرى سيفتح الباب أمام تطوير التعاون بين أنقرة ودمشق ونقله إلى مستويات أكثر تقدما، ولا سيما في المجالين الاقتصادي والعسكري – الأمني، بما يعزز نفوذ تركيا في سوريا والمنطقة.
ومع ذلك، يشدد على أن الاتفاق لا يمثل نهاية حاسمة لمشروع «قسد»، إذ لا تزال تعترضه تحديات عدة، في مقدمتها موقف قيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، التي يتوقع أن تسعى لإفشاله، إلى جانب التحديات اللوجستية والميدانية والسياسية المرتبطة بالتطبيق الكامل.
لكن بصيغته الحالية، وبالنظر إلى السياق الميداني الذي أفرزه، يشكل الاتفاق خطوة متقدمة على طريق تمكين الحكومة السورية من بسط سيطرتها على كامل أراضيها وتوحيدها، وهو ما يعد مصلحة استراتيجية حيوية لأنقرة التي وضعت هذا الهدف في صلب عقيدتها للأمن القومي منذ سنوات، وبصورة أكثر وضوحا بعد سقوط نظام الأسد.