ماذا يقرأ الرئيس الأمريكي؟ تاريخ الصحيفة اليومية الأكثر سرية في العالم
آخر بوست | تختلف أجهزة الاستخبارات حول العالم في مستوى السرية التي تحيط بها أعمالها؛ فبينما تسعى بعض الأجهزة إلى إخفاء معظم معلوماتها عن الخصوم، تعتمد أجهزة أخرى نهجًا يقوم على نشر جزء من خبراتها ومعارفها، مع الإبقاء على سرية المعلومات التي قد يؤدي كشفها إلى الإضرار المباشر بالأمن القومي.
ويُعد النموذج الأمريكي من أبرز الأمثلة على هذا النهج، إذ لا تكتفي المؤسسات الرسمية ومراكز الأبحاث والجامعات بإنتاج كم هائل من الدراسات والمعلومات، بل تحرص أجهزة الاستخبارات الأمريكية أيضًا على نشر جانب كبير من تاريخها وخبراتها التنظيمية والعملياتية. ويستند هذا التوجه إلى قناعة بأن تراكم المعرفة وتداولها يسهمان في تطوير الأداء المهني وصقل مهارات الأجيال الجديدة العاملة في المجال الاستخباري.
وفي عام 2020، نشر رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق شبتاي شافيت النسخة الإنجليزية من مذكراته، والتي عقد فيها مقارنة بين النهجين الأمريكي والسوفياتي في التعامل مع المعلومات. وأوضح أن الاتحاد السوفياتي كان يفرض السرية على جميع معلوماته تقريبًا، بينما اعتمدت الولايات المتحدة سياسة تقوم على حماية المعلومات الحساسة فقط، مع إتاحة بقية المعلومات للتداول. ويرى شافيت أن هذا الأسلوب يجعل من الصعب على الخصوم تمييز المعلومات ذات القيمة الحقيقية وسط الكم الهائل من البيانات المتاحة.
وفي هذا الإطار، أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مركزًا متخصصًا لدراسات الاستخبارات، تولى على مدار عقود إصدار عشرات الكتب والدراسات التي تناولت تاريخ العمل الاستخباري الأمريكي وآلياته وتحدياته، بهدف تطوير الأداء العملياتي والتحليلي والإداري لمجتمع الاستخبارات، والاستفادة من دروس الماضي في بناء الخبرات المستقبلية.
ومن أبرز إصدارات هذا المركز كتاب «الإحاطات الاستخباراتية للمرشحين للرئاسة والرؤساء المنتخبين من عام 1952 إلى عام 2016»، الذي أعده جون هيلغرسون، نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق لشؤون الاستخبارات، والذي سبق أن تولى بنفسه تقديم الإحاطة الاستخبارية للرئيس بيل كلينتون بعد فوزه في انتخابات عام 1992.
واعتمد هيلغرسون في إعداد كتابه على مقابلات مع عدد من ضباط الاستخبارات الذين قدموا الإحاطات الرئاسية، إلى جانب لقاءات مع رؤساء أمريكيين، بينهم جورج بوش الأب، ورونالد ريغان، وجيمي كارتر، وجيرالد فورد، إضافة إلى اطلاعه على أرشيف الإحاطات السرية المقدمة للرؤساء منذ انطلاقها عام 1952. كما صدرت آخر طبعة من الكتاب عام 2022 لتشمل فترة الإدارة الأولى للرئيس دونالد ترامب.
ويقدم الكتاب نظرة نادرة إلى واحدة من أكثر مراحل صناعة القرار الأمريكي حساسية وسرية، وهي الإحاطات الاستخبارية التي تُقدم للمرشحين للرئاسة والرؤساء المنتخبين، وما تتضمنه من تقديرات وتحذيرات ومعلومات تسهم في تشكيل رؤيتهم للعالم وتؤثر في قراراتهم المتعلقة بالحرب والسلم والسياسة الخارجية.
تعود جذور الإحاطة الاستخبارية الرئاسية إلى 12 أبريل/نيسان 1945، عندما تولى هاري ترومان رئاسة الولايات المتحدة عقب وفاة فرانكلين روزفلت. وبعد أقل من أسبوعين على دخوله البيت الأبيض، أبلغه وزير الحرب هنري ستيمسون بوجود مشروع مانهاتن لتطوير القنبلة الذرية، وهو مشروع لم يكن ترومان على علم به خلال فترة توليه منصب نائب الرئيس. وتركت هذه الواقعة أثرًا عميقًا لديه، إذ رأى أن الرئيس الجديد يجب ألا يبدأ ولايته دون معرفة دقيقة بالملفات الأمنية والدولية التي سيتحمل مسؤوليتها منذ اليوم الأول.
وخلال تلك المرحلة، كانت الولايات المتحدة لا تزال تعمل على بناء منظومتها الاستخبارية الحديثة، وتسعى إلى تطوير آليات أكثر كفاءة لنقل المعلومات إلى القيادة السياسية. وفي عام 1947، أُنشئت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بموجب قانون الأمن القومي، ضمن عملية إعادة تنظيم شاملة لمؤسسات الأمن والدفاع. ومع تصاعد التنافس مع الاتحاد السوفياتي، أصبحت المعلومات الاستخبارية عنصرًا أساسيًا في صناعة القرار، واعتمد الرئيس بصورة متزايدة على التقديرات والتحليلات الواردة من أجهزة الاستخبارات.
وفي هذا السياق، بدأت الوكالة بإعداد نشرات دورية للرئيس، كان أولها منشور حمل اسم “ملخص الوضع” ركز على تطورات الحرب الكورية وانعكاساتها الدولية. ثم أطلقت عام 1951 “نشرة الاستخبارات الجارية” اليومية، وأتبعتها بمنشور أسبوعي بعنوان “المراجعة الأسبوعية للاستخبارات الجارية”. وكانت هذه المنشورات تقدم ملخصات قصيرة عن أوضاع الدول والقضايا التي تشغل صناع القرار الأمريكيين، بحيث يُعرض كل ملف في فقرة أو فقرتين فقط. ورغم اهتمام ترومان بهذه التقارير المكتوبة، فإنه أولى أهمية أكبر للإحاطات الشفوية الأسبوعية التي كان يقدمها له مدير وكالة الاستخبارات المركزية الجنرال والتر بيديل سميث، برفقة أحد ضباط الاستخبارات.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 1952، رأى ترومان أن المصلحة الوطنية تقتضي إطلاع المرشحين للرئاسة على أبرز التحديات الدولية، بصرف النظر عن انتمائهما السياسي أو فرص فوز أي منهما. لذلك، قرر تقديم إحاطات استخبارية دورية للمرشحين دوايت أيزنهاور وأدلاي ستيفنسون، لتنشأ بذلك تقاليد الإحاطات الاستخبارية المخصصة للمرشحين والرؤساء المنتخبين، والتي أصبحت لاحقًا جزءًا ثابتًا من عملية انتقال السلطة في الولايات المتحدة.
وضمت الحقيبة الاستخبارية المقدمة للمرشحين تقارير موجزة تناولت أبرز التطورات الدولية، إضافة إلى تحليلات معمقة ركزت على الدول ذات الأولوية بالنسبة للسياسة الأمريكية، وكانت إيران من أكثر الموضوعات حضورًا في تلك التقارير، إلى جانب تقديرات استخبارية حول احتمالات توسع النفوذ الشيوعي في مناطق مختلفة من العالم.
وبفضل خلفيته العسكرية، تعامل دوايت أيزنهاور مع هذه الإحاطات بجدية كبيرة، إذ كان يحرص على قراءة المواد المكتوبة بعناية قبل بدء النقاش مع ضباط الاستخبارات، ويقضي ما بين 15 و20 دقيقة في مراجعتها، قبل أن يطرح أسئلته حول القضايا التي تسترعي اهتمامه. وشملت اهتماماته آنذاك التطورات السياسية في إيران، والوضع الفرنسي في الجزائر، والتجارة بين اليابان والصين، إضافة إلى الحرب الكورية ومفاوضات الهدنة. كما حرص على منح عدد من مستشاريه تصاريح أمنية للاطلاع على المعلومات السرية، بهدف بناء فريق يمتلك فهمًا مشتركًا للملفات الدولية.
ولم تقتصر أهمية الإحاطات على تزويد الرئيس بالمعلومات، بل أتاحت أيضًا لمجتمع الاستخبارات التعرف إلى شخصية الرئيس الجديد، ومستوى معرفته بالقضايا الدولية، وأسلوبه في استيعاب المعلومات السرية واتخاذ القرار، لتصبح الإحاطة عملية متبادلة يستفيد منها الطرفان؛ فالرئيس يحصل على المعرفة، بينما تكتسب أجهزة الاستخبارات فهمًا أعمق لطريقة تفكيره وأولوياته.
مع دخول دوايت أيزنهاور إلى البيت الأبيض، بدأت العلاقة المؤسسية بين الرئيس ومجتمع الاستخبارات تتخذ شكلًا أكثر تنظيمًا. فقد فضّل الرئيس الجديد تلقي إحاطات شفهية يقدمها مدير وكالة الاستخبارات المركزية ألن دالاس في مستهل الاجتماع الأسبوعي لمجلس الأمن القومي، بدلاً من الاعتماد على التقارير اليومية المكتوبة. وكانت الإحاطة تتناول موضوعات يُتفق عليها مسبقًا، وإذا لم يحدد الرئيس قضايا بعينها، تُمنح وكالة الاستخبارات حرية اختيار الملفات التي ترى أنها تستحق المناقشة. أما في حال وجود معلومات شديدة الحساسية، فكان الرئيس يعقد اجتماعًا مصغرًا بعد انتهاء جلسة مجلس الأمن القومي للحصول على مزيد من التفاصيل والإجابات عن استفساراته.
ولسد الفجوة بين الاجتماعات الأسبوعية والتطورات المتسارعة، كان أيزنهاور يتلقى إحاطة شفوية من نجله جون أيزنهاور وأحد مساعديه، تتضمن خلاصة التقارير اليومية الصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع وهيئة الأركان المشتركة، مع إمكانية طلب تقارير إضافية أو دراسات تحليلية حول أي قضية تثير اهتمامه.
ومع مرور الوقت، أدركت أجهزة الاستخبارات أن الإحاطة الرئاسية تحتاج إلى تطوير مستمر، فالعالم في مطلع ستينيات القرن الماضي أصبح أكثر تعقيدًا، وتسارعت وتيرة الأزمات الدولية بصورة لم تعد تسمح بالاكتفاء بالأساليب التقليدية في نقل المعلومات.
وجاء وصول جون كينيدي إلى الرئاسة عام 1961 ليشكل نقطة تحول مهمة في طبيعة الإحاطات. فقد كان أصغر سنًا من أسلافه وأكثر اهتمامًا بمتابعة التفاصيل اليومية للأحداث الدولية، كما تولى الرئاسة في ظل احتدام المنافسة مع الاتحاد السوفياتي وتصاعد الأزمات في ألمانيا وكوبا وجنوب شرق آسيا. وأدرك مسؤولو الاستخبارات أن الأسلوب الذي كان مناسبًا لأيزنهاور لم يعد يلبي احتياجات رئيس يريد متابعة التطورات أولًا بأول.
وفي ذلك العام، استحدثت وكالة الاستخبارات المركزية “قائمة المراجعة الاستخبارية للرئيس”، وهي نشرة يومية مختصرة لا تتجاوز سبع صفحات، مدعومة بالخرائط والرسوم التوضيحية، وتهدف إلى تزويد الرئيس بأبرز التطورات التي قد تؤثر في قراراته أو تنذر بأزمة وشيكة.
وسرعان ما أثبت هذا النموذج أهميته، إذ واجهت إدارة كينيدي بعد أشهر قليلة من توليه المنصب أزمة خليج الخنازير عام 1961، ثم أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي شكلت أخطر مواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. وخلال تلك الأزمة، لعبت المعلومات الاستخبارية دورًا حاسمًا في كشف نشر الصواريخ السوفياتية في كوبا، وأصبحت الإحاطات اليومية أداة رئيسية اعتمد عليها الرئيس وفريقه في متابعة التطورات وتقييم الخيارات المتاحة.
وبعد اغتيال كينيدي وتولي ليندون جونسون الرئاسة، استمرت عملية تطوير الإحاطات. فقد لاحظت وكالة الاستخبارات أن جونسون لا يقرأ “قائمة المراجعة الاستخبارية”، فقررت دمجها مع منشورات أخرى لإطلاق “الموجز اليومي للرئيس”، وهو تقرير واحد يجمع أهم المعلومات والتقديرات الاستخبارية في وثيقة مختصرة تُحدث يوميًا.
وصدر هذا الموجز لأول مرة في أواخر عام 1964، ليتناسب مع عادة جونسون في قراءة التقارير مساءً قبل النوم، إذ كان يُسلَّم إليه بعد الظهر، بينما يتولى مساعدوه نقل ملاحظاته واستفساراته إلى وكالة الاستخبارات. وبعد فترة، طلب الرئيس استلام التقرير عند الساعة السادسة والنصف صباحًا قبل اطلاعه على الصحف اليومية. ومنذ ذلك الحين، أصبح “الموجز اليومي للرئيس” الوثيقة الاستخبارية الأساسية التي استمرت في الوصول إلى جميع الرؤساء الأمريكيين حتى اليوم، إلى جانب تقارير يومية عن حرب فيتنام ومراجعات أسبوعية ومذكرات متخصصة في قضايا محددة.
شهدت فترة الرئيس ريتشارد نيكسون تطورًا جديدًا في العلاقة بين الرئيس والإحاطة الاستخبارية، بعدما أوكل جانبًا كبيرًا من متابعة الملفات الأمنية إلى مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر، الذي شدد على ضرورة ألا تصل أي نسخة من الإحاطة الرئاسية إلى الرئيس قبل مراجعتها من جانبه. كما انتقد كيسنجر أسلوب النشرة اليومية، معتبرًا أنها تتسم بالإيجاز المفرط، وتفتقر إلى التسلسل المنطقي، فضلًا عن اختيار موضوعاتها بطريقة لا تساعد القارئ على تكوين صورة متكاملة عن الأحداث.
ويرى جون هيلغرسون أن ملاحظات كيسنجر كانت في محلها، لأن النشرة اليومية آنذاك صُممت بما يتوافق مع أسلوب إدارة ليندون جونسون، تمامًا كما صُممت النشرات السابقة بما ينسجم مع تفضيلات الرئيس جون كينيدي.
وبناءً على ذلك، وجّه كيسنجر بأن تتضمن المذكرات المرفوعة إلى نيكسون تعريفًا واضحًا بموضوع التقرير، وتقييمًا لأهميته، إلى جانب ملخص تنفيذي يساعد الرئيس على استيعاب محتواه بسرعة. كما اقترح تأخير موعد إصدار التقرير اليومي إلى ساعات ما بعد الظهر، بحيث يطّلع عليه مساءً، ثم يضيف تعليقاته وملاحظاته قبل أن يُرفع إلى الرئيس صباح اليوم التالي. وأظهرت هذه التجربة أن فعالية الإحاطة لا تعتمد فقط على محتواها، بل تتأثر أيضًا بالأشخاص الذين يتحكمون في تدفق المعلومات إلى الرئيس.
وعندما تولى جيرالد فورد الرئاسة عقب استقالة نيكسون على خلفية فضيحة ووترغيت، غيّر أسلوب التعامل مع الإحاطات، إذ طلب إدراجها كأول بند في جدول أعماله اليومي كل صباح، الأمر الذي عزز التواصل المباشر بين الرئيس ووكالة الاستخبارات. وبعد كل جلسة، كان ممثل الوكالة يرفع تقريرًا إلى غرفة العمليات في البيت الأبيض، يوضح فيه أبرز اهتمامات الرئيس والأسئلة التي طرحها، ما ساعد أجهزة الاستخبارات على فهم أولوياته بصورة أدق.
ومع مرور السنوات، توصلت وكالة الاستخبارات المركزية إلى قناعة بأن كل رئيس يمتلك أسلوبًا مختلفًا في التعامل مع المعلومات، سواء من حيث طريقة القراءة أو نوعية الأسئلة أو آلية اتخاذ القرار. لذلك، أصبحت الإحاطة أكثر مرونة، وأصبح من المعتاد تعديل شكلها ومحتواها بما يتناسب مع شخصية كل رئيس واحتياجاته.
وتجلّى هذا النهج بوضوح خلال إدارة جيمي كارتر، الذي عُرف بشغفه بقراءة الصحف والتقارير. فقد طلب أن تقتصر النشرة اليومية على المعلومات التي لا تنشرها وسائل الإعلام، كما طالب بإرفاق ملاحق إضافية تتضمن تحليلات موسعة، وسيرًا ذاتية لبعض القادة الأجانب. وكان من أكثر الرؤساء التزامًا بقراءة الإحاطات وطرح الأسئلة التفصيلية، ما دفع محللي الاستخبارات إلى إعداد مذكرات إضافية وإجابات مكملة لما يرد في التقرير اليومي.
وكان كارتر يبدأ يومه باجتماع مع مستشاره للأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي لمناقشة مضمون الإحاطة اليومية، إلا أن وكالة الاستخبارات اعتبرت أن غياب ضابط الإحاطة عن هذا الاجتماع يحرمها من معرفة ردود فعل الرئيس بصورة مباشرة. ولاحقًا، طلب كارتر من مدير وكالة الاستخبارات تقديم إحاطات أسبوعية معمقة حول ملفات محددة، مثل الجماعات السياسية والطائفية في لبنان، والبرنامج النووي لجنوب أفريقيا.
أما رونالد ريغان، فقد اتبع أسلوبًا مختلفًا تمامًا، إذ كان يميل إلى الملخصات المختصرة والعروض الشفوية السريعة، ولم يكن يفضل التقارير المطولة. ولهذا، اضطر مسؤولو الإحاطة إلى إعادة تصميم التقارير، مع التركيز على المعلومات الأساسية والابتعاد عن التفاصيل غير الضرورية. وخلال سنوات رئاسته الثماني، نادرًا ما شارك ضابط الإحاطة في لقاء مباشر مع الرئيس، الأمر الذي جعل معرفة وكالة الاستخبارات باهتماماته اليومية محدودة مقارنة بالرؤساء الآخرين.
شكّل جورج بوش الأب حالة استثنائية بين الرؤساء الأمريكيين، إذ وصل إلى البيت الأبيض وهو يمتلك خبرة واسعة في العمل الاستخباري، بعدما شغل سابقًا منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، إضافة إلى عمله سفيرًا لدى الأمم المتحدة ونائبًا للرئيس لمدة ثماني سنوات. وقد انعكست هذه الخبرة على طبيعة الإحاطات التي كان يتلقاها، إذ لم يكن بحاجة إلى مقدمات مطولة، وكان قادرًا على الدخول مباشرة في نقاشات تحليلية متخصصة مع ضباط الاستخبارات.
وطلب بوش الأب أن يتولى تقديم الإحاطات ضباط متخصصون من المستويات المهنية المختلفة، بدلاً من أن يقتصر الأمر على مدير وكالة الاستخبارات. وعندما كان يطرح أسئلة دقيقة حول قضية معينة، كان مقدم الإحاطة يجيب عنها مباشرة إذا توافرت لديه المعلومات، أو يعيدها إلى الوكالة لإعداد رد أكثر تفصيلاً يُقدم للرئيس في صباح اليوم التالي.
كما شدد بوش على توسيع دائرة الاطلاع على النشرة اليومية لتشمل نائبه ومستشار الأمن القومي وكبير موظفي البيت الأبيض ورئيس هيئة الأركان المشتركة، مع استعادة النسخ منهم بعد الانتهاء من قراءتها، حفاظًا على مستوى السرية، ومنح وكالة الاستخبارات مساحة أكبر لإدراج معلومات حساسة دون خشية من تسربها.
وخلال إدارة بيل كلينتون، واصلت وكالة الاستخبارات تكييف الإحاطة بما يتناسب مع شخصية الرئيس. فقد طلب كلينتون إضافة ملاحق خاصة بالقضايا التي تتطلب قرارات سياسية عاجلة، كما أصبحت الإحاطة اليومية تصل إلى وزير الخزانة مع تزايد أهمية الملفات الاقتصادية. وأضيف كذلك قسم أسبوعي حمل عنوان “القيادة الأسبوعية”، يستعرض بإيجاز تحركات وأنشطة قادة العالم خلال الأسبوع التالي.
وفي عهد جورج بوش الابن، ارتبطت الإحاطة اليومية بإحدى أشهر الوثائق الاستخبارية في التاريخ الأمريكي، وهي التقرير المؤرخ في 6 أغسطس/آب 2001، الذي حمل عنوان “بن لادن عازم على الضرب داخل الولايات المتحدة”، وصدر قبل 36 يومًا من هجمات 11 سبتمبر.
وبعد وقوع الهجمات، تعرضت الإدارة الأمريكية لانتقادات بسبب عدم اتخاذ إجراءات استباقية، إلا أن مستشارة الأمن القومي آنذاك كوندوليزا رايس أكدت أن التقرير لم يتضمن تحذيرًا من تهديد وشيك، وإنما استعرض معلومات تاريخية وتقارير استخبارية سبق تداولها بشأن تنظيم القاعدة.
ومنذ هجمات 11 سبتمبر، تصدرت ملفات الإرهاب والعراق وأفغانستان الإحاطات اليومية، وازدادت أهمية التحذيرات الاستخبارية في عملية صنع القرار. كما استحدث منصب مدير الاستخبارات الوطنية عام 2005 لتنسيق عمل مختلف الأجهزة الاستخبارية، وانتقلت إليه مسؤولية إعداد وتقديم الإحاطة اليومية للرئيس.
ومع بداية عام 2007، بدأ الرئيس جورج بوش الابن يتلقى أيضًا إحاطات تحليلية معمقة تتناول دولًا أو مناطق أو ملفات محددة، إلى جانب الموجز اليومي، بهدف توفير فهم أوسع للقضايا الإستراتيجية التي تواجه الإدارة الأمريكية.
مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض عام 2009، شهدت الإحاطة الاستخبارية اليومية مزيدًا من التطور، سواء من حيث الشكل أو المضمون. فقد فضّل أوباما الجمع بين القراءة المسبقة للتقارير وعقد جلسات نقاش مباشرة مع كبار مسؤولي الاستخبارات، ولم يكتفِ بتلقي المعلومات، بل كان يحرص على مناقشة الفرضيات والبدائل وتقييم مستوى الثقة في التقديرات المقدمة إليه. وأدى هذا الأسلوب إلى زيادة التركيز على التحليل النوعي، بدلاً من الاكتفاء بعرض الوقائع الخام.
كما فرض التطور التكنولوجي تحديات جديدة على مجتمع الاستخبارات، مع تصاعد أهمية الأمن السيبراني، وانتشار الهجمات الإلكترونية، وتزايد دور الفضاء الرقمي في الصراعات الدولية. لذلك، بدأت هذه الموضوعات تحتل مساحة متزايدة في الموجز اليومي للرئيس، إلى جانب القضايا التقليدية المتعلقة بالإرهاب، وانتشار الأسلحة، والأزمات الإقليمية.
وعندما تولى دونالد ترامب الرئاسة عام 2017، واجه مجتمع الاستخبارات تحديًا مختلفًا يتمثل في تكييف الإحاطة مع أسلوب رئيس يفضل العروض الشفهية والمواد المختصرة المدعومة بالخرائط والرسوم البيانية، ولا يميل إلى قراءة التقارير الطويلة. واستجابة لذلك، أعادت أجهزة الاستخبارات تصميم أسلوب عرض المعلومات، مع التركيز على الإيجاز واستخدام الوسائل البصرية لتسهيل استيعاب المحتوى.
ويشير جون هيلغرسون إلى أن هذا التكيف المستمر يعكس حقيقة أساسية مفادها أن نجاح الإحاطة الاستخبارية لا يرتبط فقط بجودة المعلومات، بل يعتمد أيضًا على قدرتها على الوصول إلى الرئيس بالشكل الذي يتناسب مع أسلوبه في التفكير واتخاذ القرار.
ويخلص المؤلف إلى أن الإحاطة الرئاسية لم تعد مجرد تقرير يومي، بل أصبحت مؤسسة قائمة بذاتها تطورت عبر عقود طويلة، مستفيدة من خبرات الرؤساء المتعاقبين والأزمات الدولية الكبرى. وقد تغيرت أشكالها ومواعيدها وأساليب عرضها، لكن هدفها بقي ثابتًا: تزويد رئيس الولايات المتحدة بأفضل المعلومات والتقديرات الممكنة، في الوقت المناسب، لمساعدته على اتخاذ قرارات مصيرية تمس الأمن القومي الأمريكي والعالم بأسره.
ويؤكد الكتاب أن تطور الإحاطة الاستخبارية يعكس في الوقت نفسه تطور العلاقة بين القيادة السياسية ومجتمع الاستخبارات؛ فكل إدارة رئاسية تركت بصمتها الخاصة على طريقة إعداد التقارير وتقديمها، بينما واصلت أجهزة الاستخبارات تطوير أدواتها بما يضمن إيصال المعرفة الدقيقة إلى أعلى مستوى في هرم السلطة، دون أن تفقد مرونتها في التكيف مع اختلاف شخصيات الرؤساء وأساليبهم في إدارة الدولة.
لاحقا، شهدت حقبة جورج بوش الابن واحدة من أكثر الإحاطات اليومية شهرة وهي الإحاطة الصادرة بتاريخ 6 أغسطس/آب 2001 قبل 36 يوما من هجمات 11 سبتمبر/أيلول، بعنوان: “بن لادن عازم على الضرب داخل الولايات المتحدة”. وردا على الاتهامات الموجهة للإدارة بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات بناء على محتوى الإحاطة، أكدت وزيرة الخارجية آنذاك كوندوليزا رايس أن التقرير لم يُحذر الرئيس من تهديد جديد محدد، بل “تضمن معلومات تاريخية مستندة إلى تقارير سابقة”.
منذ أحداث سبتمبر، أصبحت قضايا مكافحة الإرهاب والعراق وأفغانستان تحتل موقع الصدارة في الإحاطات اليومية، وارتفعت أهمية التحذيرات الاستخبارية، كما تأسس منصب مدير الاستخبارات الوطنية للتنسيق بين الأجهزة الاستخبارية. وفي عام 2005، عُيِّن جون نيغروبونتي أول مدير للاستخبارات الوطنية، وانتقلت إليه مسؤولية الإحاطات اليومية. كما بدأ الرئيس بوش منذ بداية عام 2007 في تلقي إحاطات استخبارية عن بلدان أو مناطق أو مجالات مختارة، وعُرفت باسم “التحليلات المُعمقة”.
ومع قدوم باراك أوباما، عاد الاهتمام بالمادة المكتوبة والتحليل المفصل. فقد عُرف أوباما بقراءته الدقيقة للتقارير واهتمامه بالسياقات والخلفيات التي تقف وراء الأحداث، وهو ما دفع القائمين على الإحاطات إلى التركيز على التحليل الإستراتيجي إلى جانب عرض التطورات اليومية. وكانت جلسات الخبراء تبدأ بعرض يُقدمه مُحلل أو اثنان من محللي الاستخبارات أو ضباط العمليات، حيث يعرضون نقاطهم الرئيسية لمدة 8 دقائق.
“في نهاية إدارة أوباما، أصبح محتوى الإحاطة الرئاسية يُنتج بثلاث نسخ يوميا ويُقدم لأكثر من 50 شخصا”
وبعد هذا العرض الافتتاحي، يناقش الرئيس والخبراء القضية لمدة تصل إلى 25 دقيقة. وكانت هذه الجلسات تُعقد كل أسبوعين. وقد اختيرت مواضيعها لدعم مداولات السياسة العامة، أو الرحلات الرئاسية الخارجية، أو الزيارات المتوقعة إلى واشنطن من طرف قادة أجانب. وقد شهدت هذه الفترة استخدام الوسائل الرقمية والتقنيات الحديثة في إعداد المواد الاستخبارية وعرضها، حيث تلقى أوباما نشرة المعلومات الرئاسية على جهاز لوحي، مرفقة برسوم بيانية وخرائط ومقاطع فيديو وصور.
وفي نهاية إدارة أوباما، أصبح محتوى الإحاطة الرئاسية يُنتج بثلاث نسخ يوميا ويُقدم لأكثر من 50 شخصا. فالنسخة الأكثر سرية التي تُقدَّم للرئيس وعشرة آخرين، تتضمن معلومات عملياتية مصنفة بالغة السرية. أما النسخة الثانية، فتُقدَّم لعدد أكبر من المسؤولين؛ وتضمَّنت بعض التقارير الاستخبارية المصنفة تحت شعار “سري للغاية”، لكنها لم تتناول برامج العمليات السرية لوكالة المخابرات المركزية أو البرامج السرية لوزارة الدفاع.
أما النسخة الثالثة فهي أيضا مصنفة ضمن مستوى “سري للغاية”، ولكنها لا تحتوي على أي معلومات حساسة عملياتية، وكانت تُسلَّم وتُشرح لبقية المتلقين الآخرين. وقد حرصت وكالة المخابرات المركزية على حماية الأسماء الحقيقية لمصادرها، ولم تُدرج هذه الأسماء أبدا في نشرة المعلومات الرئاسية.
أما دونالد ترمب فمثَّل تحديا جديدا من نوعه بالكلية لمجتمع الاستخبارات الأمريكي. فقد وصل إلى البيت الأبيض دون أن يشغل طوال حياته أي منصب سياسي أو عسكري أو أمني، ما جعله يفتقر إلى الخبرة التي امتلكها عدد من أسلافه في التعامل مع المعلومات السرية والملفات العسكرية والدبلوماسية والاستخبارية.
وخلافاً للعديد من الرؤساء السابقين الذين اعتادوا قراءة المواد الاستخبارية التفصيلية، فضل ترمب الإحاطات الشفوية المختصرة، واعتمد على مقدم الإحاطة لتلخيص أهم التطورات مع التركيز على النقاط الرئيسية. وقد دفع ذلك إلى اختصار النشرة اليومية لتضم عددا محدودا من البنود القصيرة، لا يتجاوز معظمها صفحة واحدة، مع التركيز على التطورات الدولية الأهم والأزمات الجارية. وقد دفع أسلوب ترمب فريق الإحاطة إلى الاعتماد على الوسائل البصرية، مثل الخرائط والرسوم البيانية وصور الأقمار الصناعية، التي وجدوا أنها أكثر قدرة على جذب انتباهه وإيصال المعلومات بسرعة.
“دفع أسلوب ترمب فريق الإحاطة إلى الاعتماد على الوسائل البصرية، مثل الخرائط والرسوم البيانية وصور الأقمار الصناعية”
وعندما سُئل مقدم الإحاطة عن مدى اطلاع ترمب على تقرير الإحاطة الرئاسية، أجاب: “لقد لمسه ليس إلا. إنه لا يقرأ شيئا”. وذكر مدير الاستخبارات الوطنية سابقا جيمس كلابر، أن ترمب يميل إلى “الخروج عن الموضوع؛ فقد لا تتجاوز مدة النقاش الذي يستمر ساعة، 8 أو 9 دقائق من المعلومات الاستخبارية الحقيقية”. ويرى كلابر أن المشكلة تكمن في أن أجهزة الاستخبارات تعتمد على الأدلة، بينما ترمب يتجاهل الحقائق، والأدلة لا تُقنعه.
الرئيس ومجتمع الاستخبارات
يكشف نموذج الإحاطات الرئاسية أن العلاقة بين الرئيس الأمريكي ومجتمع الاستخبارات تبدأ قبل وصول الرئيس إلى البيت الأبيض، وتهدف لإعداده للتعامل مع القضايا الدولية والأمنية التي سيواجهها منذ يومه الأول في المنصب. كما تظهر أن نجاح الإحاطة يرتبط بالقدرة على تكييف الأسلوب المناسب لكل رئيس.
فعندما يصل أي شخص إلى البيت الأبيض يكون قد رسخ عادات شخصية يصعب تغييرها، فمن كارتر المحب للتفاصيل، وريغان المفضل للخلاصات المختصرة، وبوش الأب الخبير بالشأن الاستخباري، وأوباما القارئ المتعمق، وترمب الذي فضل العروض البصرية؛ اضطرت أجهزة الاستخبارات إلى تعديل أساليب العرض وكمية التفاصيل وطريقة تقديم المعلومات بما يتناسب مع احتياجات كل منهم، وبالطريقة التي تمكنه من فهمها واستخدامها في صنع القرار.
وتكشف التجربة أن الرؤساء يميلون إلى المعلومات الموجزة والتقديرات المرتبطة بالقضايا ذات الأهمية البالغة، كما اهتموا بالإحاطات الشفوية التي تتناول هذه القضايا، وبالتحليلات المعمقة التي يقدمها الخبراء، بينما تظل الدراسات المطولة والتقديرات الاستخبارية المتشعبة والمكتوبة أقل حضورا في قراءاتهم اليومية. ولذلك حرصت أجهزة الاستخبارات على دمج نتائج الدراسات والتحليلات المطولة في الموجز اليومي للرئيس، باعتباره الوثيقة الاستخباراتية الأوثق للوصول إلى صانع القرار ولفت انتباهه إلى القضايا التي تراها الوكالة ذات أهمية.
وتسلط تجربة الإحاطات الرئاسية الضوء على أهمية حقل دراسات الاستخبارات، الذي لا يقتصر على دراسة التجسس والعمليات السرية، بل ويهتم بكيفية إنتاج المعلومات وتحليلها ونقلها إلى صناع القرار، وهو نموذج تمتد أهميته إلى مختلف الدول التي تسعى إلى توظيف المعلومات في إدارة مصالحها ومواجهة التحديات التي تواجهها.