تركيا

هل يمكن تحقيق استقلال كامل في الصناعات الدفاعية؟ التجربة التركية تجيب

آخر بوست | تناول مقال نشره موقع قناة «تي آر تي عربي» الحكومية التركية، للكاتب والباحث مؤمن أشرف، التجربة التركية في مجال الصناعات الدفاعية، من خلال المقارنة بين نجاح الطائرة المسيّرة «بيرقدار TB2» في تجاوز القيود والعقوبات الغربية، وتعثر صفقة المروحية الهجومية «T129» بسبب القيود المفروضة على محركاتها.

ويشرح الكاتب أن جوهر الاستقلال الصناعي لا يعني بالضرورة إنتاج جميع المكونات محليًا، وإنما امتلاك تصميم المنظومة والقدرة على دمج مكوناتها وإدارة الاعتماد على الموردين الخارجيين. كما يستعرض النهج الذي اتبعته أنقرة لتوطين المكونات الأكثر حساسية تدريجيًا، بالتوازي مع بناء قاعدة صناعية واسعة تدعم المنصات العسكرية المختلفة.

ويؤكد أن معيار السيادة الحقيقية يتمثل في القدرة على استبدال المكونات التي يمكن أن تخضع للحظر، ومواصلة تطوير المنتجات وتصديرها دون الارتهان لقرارات خارجية، مشيرًا إلى أن الوصول إلى استقلال كامل في الصناعات الدفاعية لم يتحقق حتى لدى أكبر القوى العسكرية في العالم.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2020، وفي ذروة حرب قره باغ، أوقفت كندا تصدير كاميرات «Wescam» التي كانت تستخدمها الطائرة المسيّرة التركية «بيرقدار TB2»، كما أوقفت شركة «BRP» تزويدها بمحركات «روتاكس».

وأثارت الخطوة آنذاك موجة من التحليلات التي توقعت نهاية مسيرة واحدة من أشهر الطائرات المسيّرة التركية، باعتبار أن نجاحها كان مرتبطًا بمكونات أجنبية لم تعد متاحة. لكن بعد أشهر قليلة، عادت TB2 إلى التحليق باستخدام كاميرات طورتها شركة «أسيلسان» ومحركات أنتجتها شركة «TEI»، لتواصل انتشارها في أوكرانيا وبولندا وعشرات الأسواق الأخرى.

وفي الفترة نفسها تقريبًا، كانت تركيا توقع صفقة تصدير تاريخية مع باكستان لبيع 30 مروحية هجومية من طراز «T129» بقيمة بلغت نحو مليار ونصف المليار دولار، في صفقة كانت الأكبر في تاريخ الصناعات الدفاعية التركية آنذاك.

Image

Image

Image

Image

Image

كانت المروحية تركية التصميم، وتُنتج خطوطها داخل تركيا، كما كان المشتري جاهزًا والتمويل مؤمّنًا، لكن محركها كان أمريكيًا-بريطانيًا. وعندما رفضت واشنطن منح رخصة تصدير المحرك، توقفت الصفقة بالكامل. وانتظرت إسلام آباد لسنوات قبل أن تتجه في النهاية إلى المروحية الصينية، لتنهار الصفقة التركية بسبب مكوّن واحد فقط.

الدولة واحدة، والفترة الزمنية متقاربة، وقواعد اللعبة الدولية لم تتغير، لكن النتيجة اختلفت جذريًا. فلماذا تمكنت TB2 من تجاوز القيود والتحول إلى قصة نجاح عالمية، بينما انتهى مشروع T129 عند بوابة رخصة تصدير المحرك؟

يرى الكاتب أن الإجابة عن هذا السؤال تختصر جانبًا أساسيًا من التجربة التركية في الصناعات الدفاعية، وربما تقدم درسًا مهمًا للدول التي تسعى إلى بناء صناعة دفاعية أكثر استقلالًا.

ويمكن توضيح الفكرة من خلال مثال بسيط: تخيل خياطًا محترفًا يصنع بدلة زفاف باستخدام قماش إنجليزي وأزرار إيطالية وخيط ياباني، بينما تكون البطانة محلية. قد يقول شخص إن الخياط لا يصنع شيئًا وإنما يجمع مكونات جاهزة، لكن وضع المواد نفسها أمام شخص يفتقر إلى الخبرة لن ينتج سوى قطع متناثرة. الفارق الحقيقي يكمن في المعرفة التي تحول المكونات المختلفة إلى منتج متكامل.

لكن الخياط يظل أمام نقطة ضعف واضحة؛ فإذا توقف تاجر القماش الإنجليزي عن البيع قبل موعد الزفاف، قد يتعطل العمل بأكمله. وهنا يظهر الفرق بين القدرة على تركيب المكونات وامتلاك المواد الأساسية، وهي المسافة التي يناقشها الكاتب في التجربة التركية.

التكامل والتجميع

من السهل اختزال التجربة التركية في سؤال مباشر: هل أصبحت تركيا مستقلة في صناعاتها الدفاعية، أم أنها لا تزال تعتمد على الخارج؟

لكن الكاتب يرى أن هذا السؤال مضلل، لأنه يفترض وجود نموذجين فقط؛ دول تصنع كل شيء بنفسها، ودول لا تمتلك صناعة حقيقية. بينما الواقع الصناعي أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

وتقع التجربة التركية في منطقة وسطى بين النموذجين، إذ لم يكن هدف أنقرة إنهاء الاعتماد على الخارج بصورة كاملة، بقدر ما تمثل هدفها في إعادة تعريف هذا الاعتماد وإدارته بطريقة تقلل مخاطره وتوسع هامش القرار الوطني. وهذا، وفق المقال، قد يكون الفارق بين صناعة تستطيع الصمود أمام الأزمات وأخرى تنهار عند أول اختبار.

ولتوضيح الفكرة، يمكن النظر إلى أي منصة عسكرية باعتبارها هرمًا للقيمة. في قمته توجد العمارة الهندسية للنظام، وتشمل التصميم وشيفرات التحكم وبرمجيات التشغيل وواجهات الاتصال بين المكونات، إضافة إلى أهم عنصر، وهو القدرة على دمج هذه المكونات بحيث يعمل محرك من دولة، ومستشعر من دولة أخرى، ورادار محلي، وذخيرة تركية، كوحدة متكاملة.

وفي منتصف الهرم تأتي المكونات الأساسية، مثل المحركات والمستشعرات والإلكترونيات الدقيقة، بينما توجد في القاعدة المواد الخام والخامات التي تقوم عليها المنظومة بأكملها.

ومن هنا تظهر قاعدة أساسية في الصناعات الدفاعية: من يمتلك قمة الهرم يستطيع تغيير ما يقع تحتها، بينما يبقى من لا يمتلك سوى المكونات رهينة لمن يملك التصميم والتكامل.

فامتلاك العمارة الهندسية يمنح الدولة القدرة على استبدال محرك بآخر، أو دمج مستشعر جديد، أو إعادة تعديل المنظومة وتطويرها دون الحاجة إلى الحصول على إذن من طرف خارجي. أما الاقتصار على تجميع مكونات جاهزة فيجعل المنتج مقيدًا بالقرارات التي يتخذها الموردون.

وبالتالي، فإن الفارق الحقيقي بين «التكامل السيادي» و«التجميع المقنّع» لا يتعلق بعدد القطع المصنعة محليًا، وإنما بمن يمتلك القدرة على تعديل المنظومة وإعادة هندستها ومواصلة تطويرها باستقلالية.

فالسيادة الصناعية لا تقاس فقط بنسبة المكونات المحلية، وإنما بامتلاك القرار التقني الذي يحدد كيفية عمل تلك المكونات وإمكانية استبدالها عندما تفرض السياسة أو السوق قيودًا جديدة.

البناء المعكوس

لم تتبع تركيا المسار التقليدي نفسه الذي سلكته القوى الصناعية الكبرى في بناء صناعاتها الدفاعية. فلم تبدأ من المواد الخام وأشباه الموصلات والمحركات، ثم تتدرج ببطء نحو إنتاج المنصات العسكرية، وهو مسار قد يحتاج إلى عقود طويلة.

وبدلًا من ذلك، اتبعت أنقرة في قطاعات عديدة مسارًا معكوسًا يبدأ من المنتج النهائي. فكان السؤال الأول: كيف نصنع مسيّرة قادرة على تنفيذ مهمة محددة؟ وكيف ننتج مدرعة أو سفينة أو مروحية؟ وبعد تطوير المنصة، يأتي السؤال الثاني حول المكونات التي يمكن إنتاجها محليًا في الوقت الحالي، وتلك التي يمكن استيرادها مؤقتًا إلى حين تطوير بديل وطني.

ويسمح هذا الأسلوب بإدخال المنتجات إلى الخدمة والأسواق الخارجية في وقت مبكر، وهو ما يوفر عائدًا ماليًا ويولد خبرة تشغيلية وهندسية متراكمة. ومع مرور الوقت، تتحول المنصة نفسها إلى سوق للمكونات المحلية الجديدة.

فالشركة التي تطور كاميرا أو محركًا أو نظامًا إلكترونيًا تعرف أن هناك منصة قائمة يمكن أن تستوعب منتجها فور اكتماله، مما يخلق دورة صناعية تربط الابتكار بالطلب الفعلي.

لكن هذا المسار يحمل في الوقت نفسه نقاط ضعف، لأن كل منصة تدخل الخدمة قبل اكتمال منظومتها الوطنية تحتوي على مكونات تظل خاضعة لقرارات دول أخرى، وبالتالي يمكن أن تتعرض للقيود والعقوبات وحظر التصدير.

إدارة الاعتماد

ما يلفت النظر في التجربة التركية، بحسب الكاتب، أن إدارة الاعتماد على الخارج لم تعد مجرد استجابة للقيود، وإنما تحولت إلى منهج عمل يقوم على ثلاث قواعد رئيسية.

القاعدة الأولى هي توطين المكونات وفق ترتيب المخاطر وليس وفق سهولة التصنيع. فالمكونات التي تعرضت للحظر أصبحت أولوية في برامج الإحلال المحلي، بدءًا بالكاميرات والذخائر الذكية والمحركات المكبسية بعد أزمتي 2019 و2020، ثم محركات المروحيات، وصولًا إلى المحركات النفاثة التي تمثل تحديًا أكثر تعقيدًا.

وبذلك، جاء ترتيب التوطين استجابة لنقاط الضعف الأكثر تأثيرًا، وليس للمكونات الأسهل إنتاجًا.

أما القاعدة الثانية فتتمثل في بناء قاعدة صناعية متماسكة أسفل المنصات الكبرى. فرئاسة الصناعات الدفاعية التركية تلزم الشركات الرئيسية بتخصيص ما لا يقل عن 21% من قيمة العقود للشركات الصغيرة والمتوسطة، بهدف توسيع شبكة الموردين المحليين.

والقاعدة الثالثة هي عدم الاكتفاء بالنظر إلى النسب المئوية للتوطين. فالوصول إلى نحو 80% من المحتوى المحلي يمثل إنجازًا مهمًا، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقلال الصناعي. فالمعيار الأهم هو تحديد المكونات القادرة على تعطيل المنظومة بأكملها.

وقد يكون مكوّن واحد يمثل نسبة صغيرة من قيمة المنصة كافيًا لوقف إنتاجها بالكامل، كما حدث في برنامجي دبابة «ألتاي» ومروحية «T129» نتيجة القيود المفروضة على المحركات.

ومن هنا تتضح فلسفة النموذج التركي؛ فأنقرة لا تسعى إلى تصنيع كل شيء محليًا، بقدر ما تحاول إدارة اعتمادها على الخارج بطريقة تحافظ على حرية القرار.

فهي تعمل على امتلاك السيطرة على تصميم المنصات وتكاملها، وتوطين المكونات الأكثر حساسية بصورة تدريجية، بينما تستورد المكونات التي يمكن استيرادها دون أن تتحول إلى نقطة ضغط سياسي أو صناعي.

وفي النهاية، لا يُقاس نجاح النموذج بنسبة التوطين أو حجم الصادرات وحدهما، وإنما بالإجابة عن سؤالين: كم من الوقت تحتاج الدولة لاستبدال مكوّن خاضع للحظر؟ وهل تستطيع تطوير منتجها أو تصديره دون الحصول على موافقة طرف آخر؟ ووفق المقال، يمثل هذان السؤالان المعيار الحقيقي لقياس الاستقلالية الصناعية.

ويطرح ذلك سؤالًا آخر: هل تستطيع أي دولة توطين صناعاتها الدفاعية بالكامل؟

الإجابة، وفق الكاتب، هي لا. وحتى الولايات المتحدة لا تحقق ذلك؛ فقد أشار تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية عام 2022 إلى وجود أكثر من 300 «نقطة انهيار حاسمة»، وهي مكونات أو مواد أو موردون لا يوجد لهم بديل جاهز، بحيث يمكن لتعطل أحدهم أن يوقف إنتاج منظومة كاملة. ومن الأمثلة على ذلك أن الصين لا تزال تعالج نحو 90% من مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة التي تعتمد عليها غالبية الأسلحة الحديثة.

Image

Image

Image

Image

Image

Image

لذلك، فإن الاستقلال الكامل في الصناعات الدفاعية لم يتحول إلى واقع لدى أي دولة، وإنما يبقى أقرب إلى هدف نظري. والسؤال الأكثر دقة ليس: هل تعتمد الدولة على الخارج؟ وإنما: هل تتقلص قائمة المكونات التي يمكن أن تشل صناعتها إذا مُنعت عنها، أم أنها تتسع؟

وفي الحالة التركية، تبدو هذه القائمة في تراجع مستمر، فقد نجحت أنقرة في تطوير بدائل محلية للكاميرات والمحركات المكبسية وعدد كبير من الذخائر، بينما لا تزال تواجه تحديات في مجالات أكثر تعقيدًا، مثل المحركات النفاثة عالية الدفع وبعض الإلكترونيات الحساسة ومنظومات الدفاع الجوي بعيدة المدى.

ولا تختلف التجربة التركية في ذلك كثيرًا عن تجارب دول سبقتها في هذا المجال. فقد احتاجت كوريا الجنوبية نحو 15 عامًا لتطوير ناقل حركة محلي لدبابة K2، بينما قدمت إسرائيل نموذجًا مختلفًا؛ فهي لا تمتلك مقاتلة F-35 ولا خط إنتاجها، لكنها حصلت على حق تعديل أنظمتها وصيانتها وإدارة بياناتها، وهو ما منحها هامشًا واسعًا من الاستقلالية في تشغيلها.

زر الذهاب إلى الأعلى