الوقوف في المكان الصحيح من التاريخ بينما يُكتب التاريخ
قبل تقديم مشروع قانون «تركيا الخالية من الإرهاب» إلى البرلمان، عقدت الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية اجتماعًا مغلقًا أمام وسائل الإعلام، خُصص لمناقشة تفاصيل المشروع وآليات تطبيقه على أرض الواقع.
وتركزت أسئلة النواب حول قضيتين رئيسيتين: كيفية تصفية تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK) وتنفيذ العملية ميدانيًا، والفئات التي يشملها مشروع القانون وتلك المستثناة منه. وقدّم نائب رئيس حزب العدالة والتنمية أفكان آلا، ورئيس الكتلة البرلمانية عبد الله غولر، إجابات تفصيلية عن هذه التساؤلات.
وقال أفكان آلا إن الظروف التركية والدولية الحالية «مواتية للغاية»، معتبرًا أن البلاد أمام «فرصة تاريخية» قد لا تتكرر، ومشددًا في الوقت نفسه على أن مشروع القانون ليس قانون عفو.
وأوضح لنواب الحزب أن التشريع لا يشمل عبد الله أوجلان، ولا القيادات العليا في حزب العمال الكردستاني، ولا الأشخاص المتهمين بقتل الجنود أو أفراد الشرطة.
من جانبه، قدم رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية عبد الله غولر مشروع القانون إلى البرلمان، موقعًا من 357 نائبًا، وقال إن الحكومة ستواصل الحفاظ على حقوق الشهداء والمحاربين القدامى، والعمل من أجل ترسيخ الأخوة والسلام والاستقرار في البلاد.
كورتولموش: القانون يفتح الباب أمام مرحلة جديدة
لعب رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش دورًا في مسار «تركيا الخالية من الإرهاب»، خصوصًا من خلال الحوار بين الأحزاب وتشكيل لجنة مشتركة داخل البرلمان.
وعقب تقديم مشروع القانون، قال كورتولموش إن جمع رؤى سياسية مختلفة حول هذه القضية يمثل خطوة مهمة لتعزيز الجبهة الداخلية والوحدة الوطنية والأخوة.
وأضاف أن تغير المناخ السياسي والفكري يمكن أن يفتح أمام تركيا فرصًا جديدة خلال القرن الثاني للجمهورية، بما يعزز الديمقراطية ويرفع مستوى رفاه المواطنين ويرسخ الثقة والاستقرار.
أربيل والسليمانية.. المرحلة الأولى من تسليم السلاح
مع إقرار القانون، ستبدأ مرحلة جديدة من العملية، إذ يُتوقع انتقال عناصر حزب العمال الكردستاني إلى مراكز تجمع في أربيل والسليمانية لتسليم أسلحتهم وإخلاء المعسكرات، بالتزامن مع العمل على تجريد عناصر التنظيم في سوريا من السلاح.
وتشير التقديرات الواردة في المقال إلى وجود نحو 2800 شخص في شمال العراق، وما بين 1000 و1500 شخص في سوريا.
وبعد تسليم الأسلحة، ستبدأ ما يُعرف بـ«آلية التحقق والتثبت»، حيث يقدم رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن تقريرًا إلى مجلس الأمن القومي بشأن التطورات الميدانية.
وبحسب الآلية المطروحة، وبعد تأكيد انتهاء وجود التنظيم فعليًا ونشر قرار مجلس الأمن القومي في الجريدة الرسمية، يصدر مرسوم رئاسي يحمل توقيع الرئيس رجب طيب أردوغان، لتبدأ بعد ذلك عملية عودة عناصر التنظيم إلى تركيا.
إجراءات مشددة لمنع تكرار «فضيحة خابور»
من المقرر إدارة عودة العناصر عبر ثلاثة مسارات رئيسية.
الأول: عناصر التنظيم الموجودون في شمال العراق وسوريا أو في الخارج، إضافة إلى الموجودين في السجون.
وسيتم التعامل مع العائدين من شمال العراق وسوريا بحذر، مع السماح بالدخول في مجموعات صغيرة، تضم شخصين أو ثلاثة، بهدف تجنب تكرار ما وصفه المقال بـ«فضيحة خابور».
الثاني: المحكومون بالسجن بتهم تتعلق بالانتماء إلى التنظيم، ويُقدّر عددهم بنحو 3900 شخص.
الثالث: بدء إجراءات عودة عناصر التنظيم الموجودين في الخارج، ومن بينهم زبير أيدار ورمزي كارتال.
ومن المتوقع، وفق ما يورده المقال، أن تستكمل هذه العملية خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر.
عملية مستمرة وآليات للمتابعة
ويصف المقال العملية بأنها «ديناميكية»، أي إنها لن تنتهي بمجرد تنفيذ مرحلة تسليم السلاح، بل ستستمر من خلال آليات متابعة وتقييم.
ومن المقرر إنشاء «مجلس التقييم والتنسيق» برئاسة نائب رئيس الجمهورية، إلى جانب تشكيل «لجنة متابعة» داخل البرلمان.
كما سيقدم رئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن تقارير دورية إلى الجهتين حول التطورات الميدانية ومدى التقدم في تنفيذ العملية.
مصير القيادة العليا في قنديل
في حال نجاح المراحل الأولى، قد تنتقل العملية إلى مراحل لاحقة تتناول وضع القيادة العليا الموجودة في قنديل.
ويرى الكاتب أن بقاء هذه القيادات خارج تركيا قد يمثل ثغرة يمكن أن تستغلها أجهزة استخبارات أو دول أخرى لإعادة تشكيل تنظيمات جديدة مشابهة لحزب العمال الكردستاني.
ويستند هذا الطرح إلى فكرة أن إنهاء التنظيم بصورة كاملة يتطلب إغلاق جميع المسارات التي يمكن أن تسمح بإعادة تشكيله مستقبلًا.
دور أوجلان في المرحلة المقبلة
لا يشمل التشريع الجديد عبد الله أوجلان، وفق ما يورده المقال، مع الحديث عن إمكانية توسيع قنوات التواصل المتاحة له.
ويرى الكاتب أن أوجلان يمكن أن يؤدي دورًا في المرحلة المقبلة باعتباره أحد الفاعلين المؤثرين في مسار حل التنظيم ونزع سلاحه.
ويطرح المقال فكرة أن إنهاء الصراع لا يتطلب فقط إلقاء السلاح على الأرض، وإنما أيضًا تغيير الأفكار التي قامت عليها المواجهة، وهو ما قد يجعل دور أوجلان أكثر أهمية في المرحلة القادمة، سواء داخل التنظيم أو في الأوساط الكردية.
مرحلة تاريخية في تركيا والشرق الأوسط
يرى الكاتب أن ما يجري يتجاوز مجرد تصفية تنظيم حزب العمال الكردستاني، إذ يمكن أن تكون له انعكاسات أوسع على العلاقات بين الأتراك والأكراد وعلى مستقبل المنطقة.
ويعتبر أن إنهاء الصراع يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الداخلي، وأن ينعكس على توازنات القوى في الشرق الأوسط، خصوصًا مع التطورات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة.
كما يربط المقال بين نجاح هذا المسار وبين قدرة تركيا على تعزيز موقعها الإقليمي، معتبرًا أن التقارب التركي الكردي يمكن أن يؤدي إلى تغيرات أوسع في موازين القوى بالمنطقة.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن الأهمية الحقيقية للمرحلة الحالية تكمن في أنها قد تمثل نقطة تحول تاريخية، وأن الوقوف في «المكان الصحيح من التاريخ» يتطلب فهم حجم التحولات التي تجري وعدم التعامل معها بعقلية المراحل السابقة.