تركيا

القانون الإطاري والحريق الإقليمي

اعتُبر المسار الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2024، مع المبادرة التي أطلقها رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، من أكثر القضايا إثارة للجدل في الأوساط السياسية التركية. وقد جرى في بداياته الخلط بينه وبين مسارات التسوية التي جُربت في الماضي، الأمر الذي دفع الأوساط السياسية ووسائل الإعلام إلى التعامل معه بحذر وتحفظ.

إلا أن عمل البيروقراطية الأمنية التركية على هذا الملف يعود إلى فترة أقدم بكثير. فمنذ سنوات، كانت الأجهزة الأمنية في أنقرة من أكثر الجهات التي تدفع باتجاه اعتماد أساليب مختلفة في مكافحة الإرهاب، انطلاقًا من أن المواجهة لا تتعلق بالتنظيم وحده، وإنما ترتبط أيضًا بالظروف الإقليمية والدولية التي تساهم في استمرار وجوده ونشاطه.

والآن، يتجه شعار «تركيا الخالية من الإرهاب» إلى اكتساب أرضية قانونية من خلال القانون الإطاري الذي سيُطرح على جدول أعمال البرلمان التركي بتوقيع 360 نائبًا.

وكانت التقديرات السابقة تشير إلى أن هذا المسار سيتقدم بصورة تدريجية، بحيث يرتبط حجم التقدم بمقدار تخلي التنظيم عن السلاح، واتساع عملية تصفية كوادره، وزيادة قدرة مؤسسات الدولة على مراقبة المسار والتحقق من مراحله.

نموذج تركي بعيد عن التجارب السابقة

لطالما طُرحت أمام تركيا تجارب مختلفة لحل النزاعات المسلحة، من تجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) إلى منظمة إيتا (ETA) في إسبانيا، وصولًا إلى التجربة الكولومبية.

لكن الرؤية التركية تنطلق من أن لكل جغرافيا وبيئة سياسية وأمنية خصوصيتها، وبالتالي لا يمكن استنساخ نموذج واحد وتطبيقه على جميع الدول.

وفي هذا المسار، لم تُشرك أنقرة طرفًا أو دولة مراقبة أخرى، وإنما أظهرت إرادة للتعامل مع الملف اعتمادًا على مؤسساتها وإمكاناتها الذاتية.

وبحسب هذا التصور، فإن الهدف لا يتمثل فقط في إنهاء نشاط حزب العمال الكردستاني، وإنما في بناء إطار أمني وسياسي قادر على التعامل مع التحديات التي تحيط بتركيا والمنطقة بأكملها.

Image

Image

Image

Image

Image

الإرهاب في قلب التغيرات الإقليمية

ومن المتوقع أن يستمر الجدل حول المسار، خصوصًا مع وجود قراءات تختزل القضية في ثنائية الديمقراطية أو تقديم تنازلات أمام الإرهاب.

لكن الرؤية المطروحة تنظر إلى القضية ضمن سياق إقليمي أوسع، إذ إن خط الصراعات الذي تشكل في غزة وسوريا ولبنان والعراق بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي يُرجح أن يستمر خلال السنوات المقبلة، يمثل بحسب هذا الطرح تهديدًا مباشرًا للأمن التركي.

وفي ظل المنافسة العالمية المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين، ازدادت أهمية المنطقة ومخاطرها، خصوصًا مع بروز عدد من مشاريع الممرات الاقتصادية والتجارية التي تعيد رسم خريطة الربط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

ومن أبرز هذه المشاريع الممر الأوسط والممر الجنوبي المنطلقان من الصين، وممر الشمال-الجنوب المرتكز على مومباي وإيران وروسيا، إضافة إلى ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) الذي يستهدف الربط بين الهند والخليج وإسرائيل واليونان.

صراع الممرات والطاقة يعيد رسم المنطقة

لم تعد المنافسة في المنطقة تقتصر على النفوذ العسكري والسياسي، بل أصبحت تشمل ممرات التجارة والطاقة، وإنتاج الرقائق الإلكترونية، ونقل النفط والغاز، والممرات البحرية، والخدمات اللوجستية.

وتحولت هذه الملفات إلى عناصر أساسية في التنافس الدولي، الأمر الذي جعل موقع العراق وسوريا ولبنان أكثر أهمية بالنسبة إلى الحسابات الأمنية والاقتصادية التركية.

ولهذا السبب، تنظر أنقرة إلى الساحة العراقية بالتوازي مع الساحتين السورية واللبنانية، في ظل مخاوفها من استمرار مصادر عدم الاستقرار الإقليمي.

ويرى هذا الطرح أن خطط إسرائيل الرامية إلى توسيع نفوذها وإعادة تشكيل المنطقة، إلى جانب النفوذ الإيراني العابر للحدود، يمثلان تحديين كبيرين، بينما ترفض أنقرة التعامل مع التوترات الإقليمية من منظور طائفي.

فالصراع بين إيران ودول الخليج العربية، وفق هذا التصور، لا يمكن اختزاله في البعد الطائفي، بل يرتبط بصورة أعمق بصراع القوى الدولية ومصالحها في المنطقة.

تركيا تراهن على الربط الإقليمي

في المقابل، تسعى أنقرة إلى تعزيز التعاون والاعتماد المتبادل بين دول المنطقة، من دون الوقوع في الفخ الطائفي الذي ساهم في تعميق الانقسامات الإقليمية.

ومن هنا تكتسب مشاريع مثل ممر زنغزور، وخط البصرة-أوفاكوي، وطريق التنمية، وتطوير حقول نفط كركوك، ونقل الغاز القطري أهمية تتجاوز الجانب الاقتصادي المباشر.

فوفق الرؤية التركية، تمثل هذه المشاريع أجزاء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز موقع تركيا بوصفها دولة محورية في منظومة الأمن والطاقة والتجارة والربط الإقليمي.

Image

Image

Image

العراق وسوريا في الحسابات التركية

وفي هذا الإطار، تكتسب عملية تطهير الساحة العراقية من الإرهاب أهمية كبيرة بالنسبة إلى أنقرة، بالتوازي مع العمل على صيغ يمكن أن تساعد بغداد في مواجهة احتمالات اندلاع اضطرابات أو صراعات داخلية جديدة.

أما استقرار دمشق وبيروت، فيُنظر إليه باعتباره جزءًا من الاستقرار الإقليمي الأوسع، مع طرح أنقرة نفسها بوصفها طرفًا يمتلك القدرة والخبرة الميدانية للمساهمة في إعادة ترتيب البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بها.

ومن هنا، فإن القانون الإطاري المرتقب لا يمثل، وفق هذه الرؤية، مجرد قضية تتعلق بالسياسة الداخلية التركية، بل يرتبط بمجموعة واسعة من الملفات الإقليمية.

من قنديل إلى العراق وسوريا.. معادلة واحدة

تتداخل في المعادلة الجديدة عدة ملفات، من بينها حل بنية PKK/KCK، والسيطرة على الميدان بعد قنديل، واستقرار الساحة العراقية، وإقامة منظومة أمنية جديدة في سوريا، وسياسة تركيا الخاصة بالممرات الإقليمية.

وترى أنقرة أن هذه الملفات مترابطة، وأن معالجة أحدها يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في الملفات الأخرى.

فكلما ضاقت مساحة نشاط التنظيمات المسلحة، تعزز أمن الحدود التركية. وكلما استقرت الساحة العراقية، تراجعت احتمالات انتقال الحروب والصراعات الإقليمية إلى الأراضي التركية.

وفي الوقت نفسه، فإن نجاح تركيا في تأمين خطوط الربط التجارية والطاقة والممرات الإقليمية يمكن أن يعزز مكانتها، ليس بوصفها دولة تتعامل مع الأزمات فقط، وإنما باعتبارها دولة محورية تشارك في صياغة مستقبل المنطقة.

قانون «تركيا الخالية من الإرهاب».. أكثر من تشريع داخلي

ولهذا السبب، لا يمكن قراءة القانون المرتقب باعتباره مجرد تنظيم قانوني لمسار داخلي، إذ يرتبط، وفق الرؤية المطروحة، بمشروع أوسع لتحصين تركيا أمام التحولات الأمنية والجيوسياسية المحيطة بها.

ومع الخطوة الأولى للقانون الإطاري، تبدو تركيا أمام تحرك يستهدف في الوقت نفسه تحصين الجبهة الداخلية، وتقليص مساحة نشاط الإرهاب، وتعزيز أمن الحدود، ودعم الاستقرار في العراق وسوريا، وترسيخ موقعها في شبكة الممرات الإقليمية.

وبذلك، فإن مشروع «تركيا الخالية من الإرهاب» لا يُطرح فقط باعتباره مسارًا لإنهاء ملف أمني استمر لعقود، وإنما باعتباره جزءًا من إعادة صياغة أوسع للسياسة الأمنية والاقتصادية والإقليمية التركية، في منطقة تشهد تغيرات متسارعة وتنافسًا متزايدًا على الأمن والطاقة والممرات والنفوذ.

زر الذهاب إلى الأعلى