تركيا

اتفاق مكة وإعادة بناء الأمن الإقليمي

 

 

 

 

 

آخر بوست | تحولت المبادرات الدبلوماسية التي استمرت بين تركيا والسعودية وباكستان خلال الفترة الماضية إلى خطوة ملموسة في مجال الأمن الإقليمي، مع توقيع اتفاق الدفاع المشترك في مكة المكرمة، الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا.

ووقّع الاتفاق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اجتماعهم في قصر الصفا بمكة المكرمة، في خطوة تحمل أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز الروابط التاريخية والدينية التي تجمع الدول الثلاث.

دفاع جماعي ورسالة ردع

ويستند الاتفاق إلى مبدأ الدفاع المشترك، مع إسناده إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحق الدفاع عن النفس، وهو ما يعكس مسعى الدول الموقعة إلى منح ترتيباتها الدفاعية أساسا من الشرعية الدولية.

ولا يبدو الاتفاق مجرد مبادرة رمزية، بل يأتي في سياق تحولات إقليمية دفعت دول المنطقة إلى البحث عن ترتيبات أمنية أكثر اعتمادا على القدرات الإقليمية، بدلا من الاعتماد الكامل على الضمانات الأمنية الخارجية.

وتعود جذور هذا المسار إلى تطور العلاقات التركية السعودية منذ عام 2022، إلى جانب تعميق التعاون الأمني بين السعودية وباكستان، وصولا إلى الاتفاق الدفاعي المشترك الذي وقعته الرياض وإسلام آباد عام 2025.

الصناعات الدفاعية في قلب التعاون

ولا يقتصر الاتفاق على الجانب العسكري، إذ يمكن أن يشكل إطارا لتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية بين الدول الثلاث.

وخلال السنوات الماضية، انتقلت السعودية تدريجيا من الاعتماد على شراء المنتجات الدفاعية إلى السعي نحو المشاركة في الإنتاج والتطوير، وهو ما فتح المجال أمام شراكات متزايدة مع تركيا في مجالات تشمل الطائرات المسيرة والرادارات والصواريخ الموجهة.

كما شهد التعاون تقدما في مشروع المروحية التركية «غوك بي»، بعد توقيع اتفاق بين شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية «توساش» والهيئة السعودية للصناعات العسكرية في فبراير/شباط 2026.

ومن شأن اتفاق مكة أن يوفر أرضية لتوسيع هذه الشراكات، وربط التعاون الأمني بتعاون اقتصادي وصناعي أوسع.

هل يتوسع الاتفاق؟

وأعلن الرئيس أردوغان أن المبادرة الأمنية مفتوحة أمام مشاركة دول أخرى، ما يفتح الباب أمام احتمال توسعها مستقبلا لتشمل دولا إقليمية إضافية.

وقد تكون دول مثل قطر ومصر من بين الدول التي يمكن أن تنظر بإيجابية إلى هذا الإطار، خاصة إذا تطورت آلياته وتحول إلى منظومة أمنية إقليمية أكثر شمولاً.

لكن توسع الاتفاق لن يكون خاليا من التحديات، إذ تختلف أولويات الدول الثلاث في ملفات الأمن والسياسة الخارجية؛ فتركيا تركز بدرجة كبيرة على ملفات مثل سوريا وشرق المتوسط، بينما يرتبط التصور السعودي للتهديد بدرجة أكبر بإيران، في حين تركز باكستان أمنيا على علاقتها مع الهند.

ورغم ذلك، فإن وجود مصالح وتهديدات مشتركة قد يوفر أرضية كافية لتطوير التعاون، حتى مع استمرار الاختلاف في بعض الأولويات.

نواة لبنية أمنية جديدة

ويظهر اتفاق الدفاع المشترك الموقع في مكة باعتباره نتيجة لمسار طويل من التقارب بين أنقرة والرياض وإسلام آباد، ومحاولة لبناء قدر أكبر من الاعتماد المتبادل في المجال الأمني.

وقد يتحول الاتفاق، إذا نجحت الدول الثلاث في توحيد جزء أكبر من رؤاها الاستراتيجية وقدراتها العسكرية، إلى نواة لبنية أمنية إقليمية أوسع، تجمع بين التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية والمصالح الاقتصادية.

وبذلك، لا يمثل الاتفاق مجرد ترتيبات دفاعية بين ثلاث دول، بل خطوة قد تعيد رسم جانب من خريطة الأمن الإقليمي، خصوصا إذا توسعت المشاركة فيه وترسخت آلياته خلال السنوات المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى