آخر بوست

هل كان اتفاق مكة ضروريًا؟

آخر بوست | تناول مقال تحليلي دلالات اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، معتبرا أن الاتفاق يمثل خطوة تتجاوز التعاون العسكري التقليدي، وقد تشكل نواة لبنية أمنية إقليمية جديدة، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

ويشير المقال إلى أن الاتفاق، الذي وقعه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في مكة المكرمة، ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا، بما يمنحه طابعا واضحا من الدفاع الجماعي والردع المشترك.

كما يستند الاتفاق إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحق الدفاع عن النفس، وهو ما يعكس، بحسب المقال، رغبة الدول الثلاث في إضفاء إطار قانوني دولي على آلية الدفاع المشترك، وعدم حصرها في ترتيبات أمنية إقليمية فقط.

نتاج مسار إقليمي طويل

ويرى المقال أن اتفاق مكة لم يكن مبادرة مفاجئة فرضتها التطورات الأخيرة، بل جاء نتيجة لمسار طويل من التقارب بين الدول الثلاث.

فالعلاقات التركية السعودية شهدت منذ عام 2022 مسارا متسارعا نحو التعاون الاستراتيجي، بالتزامن مع تعميق الرياض علاقاتها الأمنية مع باكستان، بينما شهد التعاون التركي السعودي في الصناعات الدفاعية خطوات متقدمة شملت الطائرات المسيّرة والرادارات والصواريخ الموجهة، وصولا إلى التعاون في مشروع المروحية التركية “غوك بي”.

وبذلك، لا يقتصر الاتفاق على البعد العسكري، بل يمكن أن يشكل إطارا أوسع لتعزيز التعاون الاقتصادي والصناعي والاستثماري بين الدول الثلاث.

البحث عن بديل للضمانات الخارجية

ويضع المقال الاتفاق في سياق التغيرات الأمنية التي شهدتها المنطقة، والتي دفعت عددا من الدول إلى إعادة النظر في اعتمادها على الضمانات الأمنية القادمة من الخارج.

ويرى أن تزايد التهديدات الإقليمية، إلى جانب ما يعتبره المقال تراجعا في الثقة بقدرة الولايات المتحدة على توفير مظلة أمنية موثوقة خلال الأزمات، دفع دول المنطقة إلى البحث عن ترتيبات أمنية أكثر اعتمادا على القدرات الإقليمية نفسها.

ومن هذا المنظور، يمثل اتفاق مكة محاولة لبناء آلية ردع إقليمية تقلل الاعتماد على الضمانات الخارجية، وتمنح الدول الموقعة قدرة أكبر على التعامل مع التهديدات المشتركة.

الصناعات الدفاعية في قلب الشراكة

ويبرز التعاون في الصناعات الدفاعية باعتباره أحد أهم المجالات التي يمكن أن تتوسع من خلالها الشراكة الثلاثية.

فتركيا تمتلك قاعدة متقدمة في الصناعات الدفاعية، بينما تسعى السعودية إلى الانتقال تدريجيا من دور المستورد إلى المشاركة في الإنتاج والتطوير، في حين تمتلك باكستان خبرات عسكرية وصناعية وقدرات استراتيجية واسعة.

ويرى المقال أن جمع هذه الإمكانات ضمن إطار مؤسسي للتدريب والتخطيط والتصنيع والجاهزية قد يؤدي إلى بناء منظومة دفاعية تتجاوز مجرد جمع القدرات العسكرية للدول الثلاث.

هل يتحول الاتفاق إلى تحالف إقليمي أوسع؟

أوضح أردوغان أن المبادرة مفتوحة أمام مشاركة دول أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام إمكانية توسعها مستقبلا لتشمل دولا إقليمية أخرى.

ويطرح المقال دولا مثل قطر ومصر ضمن الدول التي قد تبدي اهتماما بهذه البنية الأمنية، مشيرا إلى أن توسع الاتفاق يمكن أن يمنحه ثقلا أكبر ويحول الشراكة الثلاثية إلى إطار أمني إقليمي أوسع.

لكن التوسع يظل مرتبطا بمدى قدرة الدول على التوفيق بين اختلاف أولوياتها الأمنية وتصوراتها للتهديدات.

اختلاف التهديدات لا يلغي المصالح المشتركة

ويقر المقال بوجود اختلافات واضحة في أولويات الدول الثلاث؛ فتركيا تركز بدرجة كبيرة على ملفات مثل سوريا وشرق المتوسط، بينما ينصب جزء مهم من التصور الأمني السعودي على إيران، في حين ترتبط الحسابات الأمنية الباكستانية بصورة أساسية بعلاقتها مع الهند.

ومع ذلك، يرى أن وجود تهديدات ومصالح مشتركة يمكن أن يكون كافيا لتأسيس تعاون أمني مستدام، حتى مع استمرار التباين في بعض ملفات السياسة الخارجية.

ويخلص المقال إلى أن اتفاق مكة للدفاع المشترك قد يمثل بداية لمسار جديد في أمن المنطقة، خصوصا إذا نجحت السعودية وتركيا وباكستان في تحويل الاتفاق من إطار سياسي إلى آليات عملية للتعاون والتدريب والتصنيع الدفاعي وتنسيق السياسات الأمنية.

وفي حال توسعت المشاركة لتشمل دولا أخرى، فقد يتحول الاتفاق إلى إحدى الركائز الأساسية لبنية أمنية إقليمية أكثر استقلالا، تقوم على التعاون بين دول المنطقة بدلا من الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.

زر الذهاب إلى الأعلى