سوريا

أطفال لا يكتبون أسماءهم.. التعليم يبتعد عن مخيمات السوريين في لبنان

آخر بوست | يبقى عدد كبير من أطفال اللاجئين السوريين في مخيمات شمال لبنان خارج مقاعد الدراسة، في ظل عجز أسرهم عن تحمل كلفة النقل وبعد المدارس عن أماكن إقامتهم، بالتزامن مع تراجع برامج التمويل والدعم الأممي المخصصة للتعليم. وبينما تكافح العائلات لتأمين احتياجاتها الأساسية، يجد بعض الأطفال أنفسهم مضطرين إلى ترك الدراسة والعمل لمساعدة أسرهم، وسط مطالب بإعادة توفير فصول تعليمية داخل المخيمات أو بالقرب منها.

وتقول عائلات سورية تقيم في مخيمات شمال لبنان إن المسافة التي تفصل أماكن سكنها عن المدارس تحولت إلى عائق حقيقي أمام استمرار أطفالها في التعليم، بعدما أصبحت أجور الحافلات والنقل تفوق قدرة كثير من الأسر التي تعاني أصلا من ضغوط معيشية متزايدة.

وترى هذه الأسر أن إنشاء مدارس أو فصول تعليمية داخل المخيمات أو في محيطها يمكن أن يمثل حلا مباشرا لمشكلة النقل، ويتيح للأطفال الحصول على التعليم الأساسي دون أن تتحول كلفة الوصول إلى المدرسة إلى سبب يحرمهم من الدراسة.

كلفة النقل تحرم الأطفال من المدرسة

تقول إحدى الأمهات السوريات إن المدارس بعيدة عن المخيم، وإن تأمين أجرة الحافلة ذهابا وإيابا أصبح أمرا صعبا بالنسبة إلى كثير من العائلات.

وتطالب الأم بإنشاء مدارس داخل المخيمات أو بالقرب منها، مؤكدة أن الطفل لا ينبغي أن يكون مضطرا إلى دفع ثمن النقل حتى يتمكن من الوصول إلى حقه في التعليم.

وفي مشاهد بثتها الجزيرة مباشر، تحدثت طفلة تدعى بيان عن تجربتها مع الانقطاع عن الدراسة، موضحة أنها توقفت عند الصف الثالث بعدما لم يعد والدها قادرا على تحمل كلفة الحافلة التي كانت تنقلها إلى المدرسة.

كما قالت طفلة أخرى تدعى آمنة، ويُقدّر عمرها بنحو 12 أو 13 عاما، إنها تركت الدراسة للسبب نفسه، في مؤشر على أن مشكلة النقل لا تتعلق فقط بصعوبة الوصول إلى المدرسة، وإنما يمكن أن تنتهي بحرمان الطفل من التعليم بشكل كامل.

ولا تبدو هذه الحالات منفصلة عن الظروف الاقتصادية التي تعيشها الأسر اللاجئة، إذ أصبحت كلفة النقل واحدة من المصروفات التي يصعب على العائلات تحملها إلى جانب السكن والغذاء والاحتياجات اليومية الأخرى.

Image

Image

Image

Image

Image

Image

الفقر يدفع أطفالا إلى العمل

لا تتوقف آثار الضائقة الاقتصادية عند صعوبة الوصول إلى المدارس، إذ يقول أهالٍ إن تراجع الدعم وارتفاع الأعباء المعيشية يدفعان بعض الأسر إلى إرسال أطفالها للعمل من أجل المساهمة في تأمين احتياجات الأسرة.

ويعمل بعض الأطفال، بحسب شهادات الأهالي، في مواسم البطاطا والزيتون، بينما يتوجه آخرون إلى جمع البلاستيك للحصول على دخل يساعد أسرهم على مواجهة الظروف الصعبة.

ويثير هذا الوضع مخاوف بشأن مستقبل الأطفال الذين انقطعوا عن التعليم في سن مبكرة، خصوصا أن بعض الحالات وصلت إلى أطفال في التاسعة والعاشرة من العمر لا يستطيعون كتابة أسمائهم أو قراءة كلمات بسيطة.

وتقول طفلة تدعى فاطمة إنها لا تعرف من الحروف سوى الألف والباء، وهو ما يعكس حجم الفجوة التعليمية التي يمكن أن تتسع مع مرور الوقت إذا بقي الأطفال خارج المدارس.

ويطالب الأهالي الجمعيات والجهات الداعمة بإعادة برامج التعليم داخل المخيمات أو بالقرب منها، حتى لو كان ذلك من خلال فصول مؤقتة تعمل عدة أيام في الأسبوع، بهدف مساعدة الأطفال على استدراك ما فاتهم من دروس.

فصول قريبة لاستعادة التعليم الأساسي

يرى الأهالي أن توفير التعليم داخل المخيمات لا يتطلب بالضرورة إنشاء مدارس كبيرة، وإنما يمكن البدء بفصول تعليمية مؤقتة وقريبة من أماكن إقامة الأطفال، تركز في البداية على المهارات الأساسية مثل القراءة والكتابة.

ويكتسب هذا المقترح أهمية خاصة بالنسبة للأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة لفترات طويلة، إذ قد يحتاج هؤلاء إلى برامج تأسيسية تساعدهم على استعادة المهارات التي فقدوها قبل الانتقال إلى مراحل تعليمية أكثر تقدما.

كما تقول بعض الأسر إن طبيعة المناهج في المدارس اللبنانية تمثل تحديا إضافيا للأطفال الذين ابتعدوا عن الدراسة، ولا سيما أن تدريس بعض المواد يتم بالفرنسية أو الإنجليزية، الأمر الذي يزيد الصعوبة بالنسبة إلى أطفال يحتاجون أساسا إلى استعادة مهاراتهم التعليمية باللغة العربية.

ولهذا تدعو هذه الأسر إلى توفير برنامج تأسيسي باللغة العربية، يساعد الأطفال على تعلم القراءة والكتابة والمهارات الأساسية قبل الانتقال إلى برامج تعليمية أكثر تقدما.

التعليم بين الفقر وتراجع الدعم

تأتي أزمة التعليم في المخيمات السورية بشمال لبنان ضمن ظروف معيشية أكثر اتساعا تواجهها الأسر اللاجئة.

فمع ارتفاع كلفة السكن والغذاء والتنقل، تجد الأسر نفسها مضطرة إلى ترتيب أولوياتها وفقا للاحتياجات الأكثر إلحاحا، وفي مقدمتها الاحتياجات المرتبطة بالبقاء وتأمين الطعام والسكن والمياه والتنقل.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح التعليم من الخدمات التي قد تتراجع أمام الاحتياجات اليومية، خصوصا عندما تكون المدرسة بعيدة ويحتاج الطفل إلى وسيلة نقل مدفوعة للوصول إليها.

ويؤدي تراجع برامج التمويل والدعم إلى زيادة صعوبة استمرار المبادرات التعليمية التي كانت توفر فرصا للأطفال داخل المخيمات أو بالقرب منها، ما يترك بعض الأسر أمام خيارين صعبين: تحمل تكلفة النقل التي لا تستطيع دفعها، أو إبقاء الطفل في المخيم خارج المدرسة.

وتحذر شهادات الأهالي من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأطفال الذين يواصلون تعليمهم وأولئك الذين انقطعوا عنه في سن مبكرة.

أطفال بين المدرسة والعمل

بالنسبة إلى العائلات التي تعاني من ضيق اقتصادي شديد، لا ترتبط مشكلة الطفل بالمدرسة وحدها، بل بمسألة قدرة الأسرة على الاستمرار في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ويقول الأهالي إن بعض الأطفال يذهبون للعمل خلال مواسم الزراعة أو لجمع البلاستيك، وهو ما يعني أن ساعات كان يمكن أن يقضيها الطفل في المدرسة أصبحت مخصصة للعمل ومساعدة الأسرة.

ويزداد القلق عندما يتعلق الأمر بأطفال في عمر مبكر لم يحصلوا على أساس تعليمي كاف، لأن العودة إلى المدرسة تصبح أكثر صعوبة كلما طالت فترة الانقطاع.

وتظهر بعض الحالات التي أشار إليها الأهالي أطفالا في التاسعة والعاشرة لا يستطيعون كتابة أسمائهم أو قراءة كلمات بسيطة، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى برامج تعليمية تأسيسية أكثر إلحاحا.

عودة مستمرة للاجئين إلى سوريا

وتتزامن أزمة الأطفال السوريين في مخيمات لبنان مع استمرار عودة أعداد من اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن نحو 1.6 مليون سوري عادوا من الخارج إلى سوريا بين ديسمبر/كانون الأول 2024 وأبريل/نيسان 2026، بينهم أكثر من 609 آلاف شخص عادوا من لبنان.

وتؤكد المفوضية أن دورها يتمثل في تسهيل عودة الراغبين بصورة طوعية وآمنة وكريمة، في حين تبقى قضايا الخدمات والسكن وفرص العمل من أبرز التحديات التي تواجه كثيرا من العائدين.

وتقول السلطات السورية إنها تقدم تسهيلات للعائدين عند المعابر، بما في ذلك تسوية بعض حالات نقص الوثائق، إلا أن تحديات أخرى تستمر بعد العودة، من بينها تأمين السكن والخدمات وفرص العمل واستكمال الأوراق الرسمية وتسجيل الأطفال في المدارس.

وبالتالي، فإن عودة بعض الأسر إلى سوريا لا تعني انتهاء التحديات التعليمية، إذ يظل الالتحاق بالمدارس جزءا من مجموعة واسعة من الاحتياجات التي تواجه الأسر بعد العودة.

أزمة أخرى للمياه في مخيمات سورية قرب الحدود التركية

وفي سياق إنساني مواز، تواجه أسر سورية نازحة في مخيمات قرب الحدود التركية أزمة تتعلق بتوفير المياه، بعد توقف دعم مخصص لهذا القطاع، وفق تقرير للجزيرة مباشر.

وتقول أسر في تلك المخيمات إن شراء المياه أصبح يفوق قدرتها، بينما تعاني خزانات المياه القديمة من التهالك وتحتاج إلى الصيانة.

وتكشف هذه الأزمة، إلى جانب مشكلة التعليم في مخيمات شمال لبنان، حجم الضغوط التي تواجهها الأسر السورية النازحة واللاجئة، حيث يؤدي تراجع الخدمات والدعم إلى إجبار العائلات على ترتيب احتياجاتها وفقا للأولوية.

ففي مخيمات شمال لبنان، تتحول كلفة النقل إلى عائق أمام ذهاب الأطفال إلى المدرسة، بينما تدفع الضائقة الاقتصادية بعضهم إلى العمل، وفي مخيمات أخرى تصبح المياه نفسها أولوية يصعب تأمينها.

التعليم كحاجة أساسية لا يمكن تأجيلها

وتجمع شهادات الأسر على أن استمرار الأطفال خارج المدارس لا يرتبط بعدم رغبتهم في التعلم، وإنما بعوامل تتجاوز قدرتهم، في مقدمتها الفقر وبعد المدارس وكلفة النقل وتراجع الدعم.

وتطالب العائلات بأن تكون الحلول أقرب إلى أماكن وجود الأطفال، من خلال إعادة برامج التعليم داخل المخيمات أو إنشاء فصول مؤقتة بالقرب منها، مع التركيز على تعليم القراءة والكتابة والمهارات الأساسية.

كما ترى الأسر أن توفير برامج تأسيسية باللغة العربية يمكن أن يساعد الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة على استعادة ما فاتهم، قبل الانتقال إلى مراحل تعليمية أخرى.

وبين طفل ترك المدرسة لأن أسرته لم تعد قادرة على دفع أجرة الحافلة، وآخر اضطر إلى العمل في الزراعة أو جمع البلاستيك، وآخر لا يعرف سوى عدد محدود من الحروف، تتضح صورة أزمة تعليمية لا تتعلق بالمقاعد الدراسية وحدها، بل بقدرة الأسر على الوصول إليها.

وفي ظل استمرار عودة أعداد من السوريين إلى بلادهم، وبقاء أسر أخرى في لبنان، يبقى توفير التعليم للأطفال أحد التحديات الأساسية التي تتطلب استمرار الدعم، بحيث لا تتحول ظروف اللجوء والفقر وبعد المدارس إلى سبب دائم لحرمان جيل جديد من التعليم.

زر الذهاب إلى الأعلى