«اتفاقية مكة».. من التعاون الدفاعي إلى منظومة الردع الإقليمي
نُشر في 10/8/2026
آخر بوست | تناول مقال للكاتب والأكاديمي السعودي د. ناصر البقمي دلالات «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان، مركزا على رمزية اختيار مكة المكرمة يوم الجمعة لتوقيعها، وأبعادها السياسية والأمنية في ظل تصاعد الحروب والتوترات الإقليمية.
يوضح الكاتب، في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط، أن الاتفاقية لا تستهدف دولة بعينها ولا تمثل تحالفا نوويا، وإنما تؤسس لإطار دفاعي مشترك يقوم على مبدأ الردع، بحيث يُعد أي هجوم على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا.
كما يستعرض المقال عناصر القوة والتكامل بين السعودية وتركيا وباكستان، وإمكانية انعكاس الاتفاقية على أمن التجارة والطاقة والاستثمار والممرات البحرية، فضلا عن قابليتها مستقبلا للتوسع، مؤكدا أن هدفها الأساسي ليس إشعال حرب جديدة، بل رفع كلفة الاعتداء وجعل السلام والاستقرار والتنمية أكثر قابلية للتحقق.
رمزية المكان والتوقيت
لم يكن اختيار مكة المكرمة مكانا لتوقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان وفي يوم الجمعة تفصيلا بروتوكوليا هامشيا. فالمكان بما يحمله من رمزية دينية وتاريخية، والزمان بما يمثله من عيد أسبوعي للمسلمين، والتوقيت بما يحيط بالمنطقة من حروب وتوترات وحالة غير مسبوقة من عدم اليقين، كل ذلك منح الاتفاقية معنى يتجاوز نصوص التعاون العسكري التقليدية إلى رسالة سياسية أعمق: الأمن شرط للسلام، والردع وسيلة لحمايته، والاستقرار مصلحة مشتركة لا يمكن تركها رهينة للمغامرات والفوضى.
والاتفاقية، التي وقعها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في مكة المكرمة في 7 أغسطس/آب، تقيم إطارا واضحا للدفاع المشترك يقوم على مبدأ الردع برسالة واضحة وجلية أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما على الجميع، إلى جانب ما تحمله من جوانب أخرى في تعزيز التعاون والتدريب وتبادل الخبرات والقدرات والصناعات الدفاعية.
اتفاقية جديدة لا تلغي الاتفاقيات السابقة
ويخطئ من يعتقد أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» هي توسعة للاتفاقية الدفاعية السعودية-الباكستانية، ذلك أن السردية المشتركة التي تبنتها الدول الثلاث تؤكد بوضوح أن هذه الاتفاقية لا تلغي ولا تحل محل أي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف فيما بين الدول نفسها، أو مع الدول والمنظمات الأخرى.
وهو ما يعني أننا أمام اتفاقية إطارية جديدة كليا، جاءت نتيجة رغبة مشتركة بينها، وليس استجابة لرغبة منفردة من طرف واحد، في إطار تعزيز شبكة الأمن والتعاون بين الدول الموقعة.
ولعل أول ما ينبغي ملاحظته عند قراءة الاتفاقية هو إخراجها من التفسيرات المتعجلة التي ستسعى إلى وضعها داخل معادلة الحرب الراهنة، أو اختزالها في إيران والملف النووي أو الأذرع والميليشيات.
فهي اتفاقية دفاعية بحتة، ليست موجهة ضد دولة أو طرف بعينه، ولا تمثل «تحالفا نوويا جديدا»، حيث إن امتلاك باكستان للسلاح النووي لا يحول تلقائيا أي اتفاق دفاعي تشارك فيه إلى مظلة نووية.
الردع في مواجهة الفوضى
كما أن الاتفاقية لم تولد استجابة لانفعال سياسي طارئ. فالمباحثات حولها سبقت أزمات الأسابيع والشهور الأخيرة، ومرت بمراحل طويلة من المشاورات السياسية والدبلوماسية والعسكرية امتدت لسنوات.
ولذلك يمكن النظر إلى توقيتها باعتباره تتويجا لمسار جرى إنضاجه على مدى سنوات، فيما جاءت التحديات الأمنية والتهديدات العسكرية المتزايدة في المنطقة لتجعل توقيتها استجابة طبيعية للتحولات المحيطة.
فالمنطقة دفعت ثمنا باهظا لتحول الميليشيات والصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف المنشآت المدنية والممرات البحرية إلى أدوات للضغط السياسي.
ومن هنا يمكن فهم فلسفة الاتفاقية: الدبلوماسية تصبح أكثر فاعلية حين تستند إلى ردع موثوق. والردع لا يعني البحث عن الحرب، وإنما رفع تكلفتها إلى الحد الذي يجعل أي طرف يعيد حساباته قبل الشروع فيها.
تكامل في القدرات
أما العنصر الأهم فهو طبيعة التكامل بين الدول الثلاث؛ السعودية تمتلك ثقلا سياسيا واقتصاديا كبيرا، وموقعا جغرافيا استراتيجيا، ومشروعا تنمويا هو الأوسع في المنطقة، إلى جانب قوة عسكرية متقدمة وتفوقا عملياتيا، وفي مقدمتها القوات الجوية الملكية السعودية، بما تمتلكه من قدرات قتالية وتقنية وخبرات عملياتية، فضلا عن التطور المتسارع في الصناعات الدفاعية وتوطينها.
وتركيا تمتلك جيشا كبيرا وخبرة في الصناعة الدفاعية المتقدمة، خصوصا في الجوانب الدفاعية ضد التهديدات الحديثة مثل المسيرات ونحوها.
فيما تمتلك باكستان مؤسسة عسكرية كبيرة وقدرات استراتيجية وخبرات تراكمية واسعة.
وحين تنتظم هذه الميزات في إطار مؤسسي للتدريب والتخطيط والتصنيع والجاهزية، فإن النتيجة تتجاوز جمع القدرات إلى بناء قوة ردع واستقرار واسعة التأثير.
ماذا ستجني شعوب المنطقة؟
وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا ستجني شعوب المنطقة من الاتفاقية؟
الإجابة أن فوائدها لا تقف بالضرورة عند حدود الدول الثلاث. فالاستقرار في السعودية وتركيا وباكستان، وهي دول محورية في محيطها، ينعكس على أمن التجارة والطاقة والممرات البحرية والاستثمار، ويقلل احتمالات اتساع الحروب التي تتحمل الشعوب دائما تكلفتها الأكبر.
وكل منظومة ترفع تكلفة الاعتداء وتحد من فرص الانزلاق إلى الفوضى، توفر بصورة غير مباشرة مساحة أوسع للتنمية والاستقرار لدول الجوار أيضا.
اتفاقية قابلة للتوسع
كما أن الاتفاقية من حيث المبدأ قابلة للتوسع واستيعاب دول عربية وإقليمية أخرى إذا توافرت الإرادة والمصالح المشتركة، وإن كان من الطبيعي أن تظل مرحلة التأسيس الحالية محصورة في الدول الثلاث حتى يترسخ إطارها المؤسسي وآلياتها العملية.
لقد أمضت المنطقة عقودا وهي تدفع ثمن معادلة خطرة: التنمية في مواجهة الفوضى، ومنطق الدولة في مواجهة الميليشيات المنفلتة.
و«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» تحمل محاولة لقلب هذه المعادلة؛ فمن يريد التنمية يحتاج إلى السلام، ومن يريد سلاما مستداما فلا بد له من أن يتسلح بالردع.
والرسالة الأهم أبعد من كل التأويلات الجيوسياسية: «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» ليست دعوة إلى حرب جديدة، وإنما محاولة لجعل الحروب أكثر صعوبة، والاعتداء على الدول ذات السيادة أكثر تكلفة، مع بقاء اليد مفتوحة للتعايش والسلام من أطهر بقعة على هذه الأرض.