استُغل ضد عبدول السيد.. هل تظاهر مسلمون في ميشيغان للمطالبة بتطبيق الشريعة؟
آخر بوست | انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زعم ناشروه أنه يوثق مظاهرة في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان الأمريكية، للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وحصد خلال ساعات ملايين المشاهدات، قبل أن يتحول إلى مادة دعائية أثارت جدلا واسعا.
ويظهر في المقطع حشد كبير من النساء والأطفال يرتدون ملابس فضفاضة باللونين الأسود والأخضر، ويرفعون أعلاما ولافتات وشعارات، وسرعان ما أُرفق الفيديو بادعاءات تزعم أن ما يجري في ديربورن يمثل نذيرا بما قد تؤول إليه ولاية ميشيغان بأكملها إذا استمر ما وصفوه بـ”المد الديني”.
ولم يقتصر انتشار المقطع على حسابات مؤثرين معروفين بخطابهم المعادي للإسلام والهجرة، بل وصل إلى صفحات شخصيات سياسية بارزة، من بينهم أعضاء في الكونغرس، كما استُخدم في سجال سياسي مرتبط بالمرشح الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد.
فهل يوثق المقطع بالفعل مظاهرة في ديربورن تطالب بفرض الشريعة الإسلامية على المدينة؟
أول ناشر للادعاء
بدأت موجة التداول الواسعة للمقطع عبر حساب يحمل اسم “Dr. Maalouf”، ونُشر الفيديو في 5 أغسطس/آب 2026، مرفقا بتعليق يربط ما يظهر فيه بالمرشح الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ في ميشيغان عبد الرحمن السيد.
وتساءل الناشر عن كيفية تصويت أي شخص لعبد الرحمن السيد بعد مشاهدة ما يجري في ديربورن، محذرا من أن ولاية ميشيغان بأكملها “ستتحول إلى ديربورن”. وحقق المنشور وحده نحو 4 ملايين مشاهدة، ليصبح نقطة انطلاق لانتشار الادعاء على نطاق واسع.
كما أعاد حساب آخر نشر المقطع باللغة الإسبانية، زاعما أن المسلمين في ميشيغان يتظاهرون للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية كاملة، وربط ذلك بما وصفه بـ”الغزوات الصامتة”.
اليمين المتطرف يوسع انتشار الفيديو
أعيد نشر المقطع لاحقا من شخصيات وحسابات يمينية معروفة بمواقفها المعادية للمهاجرين والمسلمين، من بينها الصحفي خافيير نيغري والناشط البريطاني تومي روبنسون.
ووصف روبنسون المشاهد بأنها أشبه بـ”فيلم رعب”، واعتبر أنها لا تمثل أمريكا، داعيا إلى ما سماه “نزع الأسلمة” عن المدينة.
التضليل يصل إلى الكونغرس
امتد تداول المقطع إلى عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي، الذين استخدموا الادعاءات المرتبطة به في خطاب سياسي حاد تجاه المسلمين والمهاجرين.
وكتب عضو الكونغرس الجمهوري عن ولاية فلوريدا راندي فاين تعليقا اتهم فيه ما وصفه بـ”التعاطف الانتحاري مع الأجانب”، معتبرا أن الأمريكيين أمام خيارين يتعلقان بما وصفه بـ”البرابرة داخل الأسوار”.
كما نشرت النائبة الجمهورية عن ولاية ساوث كارولينا نانسي ميس تعليقا قالت فيه إن المشاهد تظهر في ديربورن، وليس في أفغانستان أو الصومال أو إيران أو فلسطين أو العراق، متسائلة عما يجري في المدينة.
ربط المقطع بالانتخابات
تواصل تداول الفيديو في أوساط وحسابات يمينية، مع تكرار السؤال عن كيفية تصويت الناخبين للمرشح عبد الرحمن السيد بعد مشاهدة هذه المشاهد.
كما رافق ذلك تحذير متكرر من أن “كل ميشيغان ستصبح ديربورن”، في خطاب تزامن مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والتي يواجه فيها المرشح الجمهوري مايك روجرز.
ما حقيقة المقطع؟
تتبعت وحدة المصادر المفتوحة أصل المقطع، وتبين أنه نُشر على حساب “tears_of_rukaya” على منصة إنستغرام، إلى جانب مقاطع مشابهة وصفت الحدث بوضوح بأنه تجمع لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين في مدينة ديربورن.
ولم تُظهر المراجعة البصرية للمقطع أي شعارات أو لافتات تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية أو تغيير القوانين الأمريكية.
كما أن الأعلام الظاهرة في الفيديو تحمل عبارات دينية مرتبطة بذكرى الإمام الحسين، من بينها “مولى الحسين” و”السلام عليك يا رقية بنت الحسين”، وليست أعلاما سياسية أو شعارات تطالب بفرض الشريعة.
فعالية سنوية وليست مظاهرة سياسية
أظهر البحث في الأرشيف أن الفعالية ليست حدثا طارئا أو تجمعا عفويا، بل مناسبة سنوية تقام في ديربورن منذ عام 2004.
كما توجد تسجيلات وصور لنسخ سابقة من الفعالية في عامي 2021 و2023، وتتطابق في سياقها وطبيعتها مع المقطع المتداول.
وشهدت المدينة فعالية مشابهة قبل نحو شهر، شارك فيها عمدة ديربورن عبد الله حمود، وحظيت بتأمين من الشرطة وعناصر المرور ضمن المسيرة السنوية التي تنظمها المدينة لإحياء ذكرى عاشوراء.
وبحسب حمود، يشارك آلاف الأشخاص في المسيرة لإحياء ذكرى الإمام الحسين والتعبير عن التضامن مع المظلومين والدفاع عن كرامة الإنسان، وليس للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية أو فرضها على المدينة.
ترخيص رسمي من مجلس مدينة ديربورن
وتشير وثائق مجلس مدينة ديربورن إلى أن المجلس وافق خلال جلسته المنعقدة في 14 يوليو/تموز 2026، وبالإجماع، على منح “مركز كربلاء الإسلامي التعليمي” ترخيصا لتنظيم فعاليته السنوية.
وتضمن القرار تكليف شرطة ديربورن بتأمين السلامة المرورية وتنظيم الحشود، مع إلزام الجهة المنظمة بتغطية تكاليف الخدمات البلدية والالتزام بالاشتراطات النظامية.
كما أعفيت الفعالية من قانون الضوضاء خلال الساعات المحددة لها.
تجاهل التركيبة السكانية لميشيغان
وتجاهلت المنشورات المتداولة حقيقة التركيبة السكانية لولاية ميشيغان، التي تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة، ويتركز جزء كبير منها في منطقة ديربورن.
وبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي في تعداد عام 2020، كانت ميشيغان واحدة من ثلاث ولايات أمريكية تضم أكثر من 300 ألف شخص من أصول شرق أوسطية وشمال أفريقية، إلى جانب كاليفورنيا ونيويورك.
وكان اللبنانيون والعراقيون من أبرز المجموعات ذات الأصول الشرق أوسطية وشمال أفريقية في الولاية؛ إذ شكل اللبنانيون 22% من السكان الذين عرفوا أنفسهم بهذه الأصول، بينما شكل العراقيون نحو 15%.
وفي مقاطعة واين، التي تضم ديترويت وديربورن، بلغ عدد الأشخاص الذين عرّفوا أنفسهم من أصول شرق أوسطية وشمال أفريقية نحو 139.751 شخصا، أي ما يعادل 7.8% من سكان المقاطعة.
الربط المتعمد بالسباق الانتخابي
وخلال البحث، ظهر مقطع آخر لعبد الرحمن السيد داخل مركز كربلاء الإسلامي، المنظم الرسمي للفعالية، إلى جانب إمام المركز هشام الحسيني، الذي تحدث أمام أفراد من الجالية وحثهم على التصويت للسيد، قبل أن يقدم المرشح نفسه وبرنامجه الانتخابي للحضور.
وأتاح هذا التزامن للحسابات التي نشرت الفيديو إعادة ربط المشاهد الدينية بالحملة الانتخابية، وتصويرها باعتبارها دليلا على “أسلمة” ديربورن وميشيغان.
لكن معطيات التحقق من أصل الفيديو وطبيعة الفعالية لا تدعم هذا الادعاء.
وبذلك يتضح أن الزعم بأن الفيديو يوثق مظاهرة في ديربورن للمطالبة بتطبيق “الشريعة الإسلامية” هو ادعاء مضلل؛ فالمقطع يوثق مسيرة دينية شيعية سنوية لإحياء ذكرى عاشوراء والأربعين، وهي فعالية مرخصة رسميا من مجلس مدينة ديربورن، ولا تظهر في المقطع مطالبات سياسية أو دعوات إلى فرض الشريعة الإسلامية على المدينة.